موجات الحر تحصد 25 ألف روح فى أوروبا.. ألمانيا تسجل 14 ألف وفاة وفرنسا 7 آلاف.. تحذيرات من أن ما حدث قد يكون مجرد بداية لمواسم أكثر تطرفًا.. 80% من الضحايا من كبار السن.. و10% فقط من المنازل مجهزة بالتكييفات

السبت، 22 أغسطس 2026 05:00 ص
موجات الحر تحصد 25 ألف روح فى أوروبا.. ألمانيا تسجل 14 ألف وفاة وفرنسا 7 آلاف.. تحذيرات من أن ما حدث قد يكون مجرد بداية لمواسم أكثر تطرفًا.. 80% من الضحايا من كبار السن.. و10% فقط من المنازل مجهزة بالتكييفات موجات الحر القاسية

فاطمة شوقى

في حصيلة صادمة تعكس حجم الكارثة المناخية التي تضرب أوروبا ، كشفت التقارير الصحية الأوروبية عن تجاوز عدد الوفيات الإضافية المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة حاجز الـ25 ألف حالة وفاة خلال صيف 2026، في رقم قياسي لم تشهد له أوروبا مثيلًا منذ موجة الحر التاريخية التي اجتاحت القارة في صيف 2003.

وجاءت ألمانيا وفرنسا في مقدمة الدول الأكثر تضررًا، مع تسجيل أرقام مروعة في معدلات الوفيات الإضافية، خاصة بين كبار السن والفئات المجتمعية الأكثر هشاشة، مما يضع الحكومات الأوروبية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على مواجهة تداعيات التغير المناخي المتسارع.

 

حصيلة الوفيات حسب الدول

وفقًا للبيانات المجمعة من شبكة الرصد الأوروبية EuroMOMO ومنظمة الصحة العالمية، تصدرت ألمانيا قائمة الدول الأكثر تضررًا بـ14 ألف وفاة إضافية حتى 9 أغسطس، حيث تركزت معظم هذه الوفيات خلال الأسبوع الأخير من يونيو وحده، الذي شهد أكثر من 9,600 حالة وفاة، في ظل درجات حرارة تجاوزت 41 درجة مئوية في عدة مدن ألمانية، مما أدى إلى انهيار جزئي في أنظمة التبريد في المستشفيات ودور المسنين، وزيادة حادة في حالات الطوارئ القلبية والتنفسية.

وجاءت فرنسا في المرتبة الثانية بـ7,300 وفاة إضافية منذ مايو الماضي، نتيجة موجات الحر المتتالية التي ضربت البلاد، وسط تحذيرات من أن الحصيلة النهائية قد تكون أعلى بعد نشر التقرير النهائي في أكتوبر القادم. وفي إسبانيا، سجل نظام الرصد MoMo التابع لمعهد كارلوس الثالث الصحي 4,458 وفاة إضافية بين 1 يونيو و19 أغسطس، حيث أعلنت الأرصاد الجوية الإسبانية أن يوليو 2026 كان الشهر الأكثر حرارة وجفافًا في البلاد منذ بدء التسجيلات في عام 1961، مع درجات حرارة تجاوزت 44 درجة مئوية في بعض المناطق الجنوبية.

أما المملكة المتحدة فسجلت 2,877 وفاة إضافية في إنجلترا وويلز خلال موجات الحر التي ضربت البلاد في مايو ويونيو، بينما سجلت إيطاليا 2,700 وفاة، وبلجيكا ألفي وفاة، وهولندا 1,323 وفاة، وبولندا 1,070 وفاة، وسويسرا 220 وفاة، ولوكسمبورج 23 وفاة. كما سجلت اليونان 8 وفيات مباشرة بسبب الحرارة، ورومانيا 4 وفيات نتيجة التعرض الطويل لأشعة الشمس، في مؤشر على أن تأثيرات الحر لم تستثنِ أي دولة أوروبية، مهما كان موقعها الجغرافي أو مناخها المعتاد.

 

لماذا هذه الأرقام المرتفعة؟

أفادت شبكة الرصد الأوروبية أن أكثر من 80% من الوفيات المسجلة كانت بين الأشخاص الذين تجاوزوا 75 عامًا، وهي الفئة الأكثر عرضة لمخاطر الإجهاد الحراري بسبب ضعف أجهزتها التنفسية والقلبية، وقلة قدرتها على التكيف مع التغيرات المفاجئة في درجات الحرارة. لكن اللافت أن غالبية الوفيات لم تكن ناجمة بشكل مباشر عن ضربات الشمس أو الإجهاد الحراري الحاد، بل عن تفاقم أمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي المزمنة، نتيجة الجهد المضاعف الذي يبذله الجسم لمحاولة تنظيم درجة حرارته الداخلية في مواجهة حرارة خارجية استثنائية.

ويوضح الأطباء أن الجسم عندما يتعرض لحرارة شديدة، يقوم بضخ كميات أكبر من الدم نحو الجلد للتخلص من الحرارة، مما يزيد من عبء العمل على القلب، ويؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب، وهو ما قد يكون قاتلًا للأشخاص الذين يعانون أساسًا من أمراض قلبية أو تنفسية مزمنة. كما أن الجفاف الناتج عن التعرق الشديد يؤثر على وظائف الكلى ويزيد من لزوجة الدم، مما يرفع خطر الجلطات والسكتات الدماغية.

 

موجات الحر تمتد إلى الدول المعتدلة:

من أبرز ما كشفته تقارير صيف 2026 أن موجات الحر لم تقتصر على دول الجنوب الأوروبي المعتادة على درجات الحرارة المرتفعة مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان، بل امتدت بقوة إلى دول ذات مناخ معتدل مثل بلجيكا وهولندا وبولندا والمملكة المتحدة، حيث تجاوزت الحرارة 35 و40 درجة مئوية في العديد من المناطق، مما عرّض نحو 80 مليون مواطن لمخاطر صحية غير مسبوقة، في وقت لم تكن فيه البنية التحتية لهذه الدول مهيأة لموجات الحر الشديدة.

ففي بلجيكا وهولندا، على سبيل المثال، لا تتجاوز نسبة المنازل المجهزة بتكييف الهواء 10%، مما جعل ملايين السكان، خاصة كبار السن، يعيشون في ظروف حرارية لا تطاق داخل منازلهم، بينما كانت المستشفيات ودور المسنين تعاني من نقص في أنظمة التبريد القادرة على مواجهة مثل هذه الموجات الاستثنائية. وفي بولندا والمملكة المتحدة، سجلت درجات الحرارة أرقامًا قياسية تاريخية، مما أدى إلى إغلاق المدارس وتعطيل وسائل النقل العام، وزيادة حادة في حالات الإغماء والجفاف بين الأطفال والعمال الذين يعملون في الهواء الطلق.

 

تداعيات على قطاع الطاقة والبنية التحتية:

ولم تقتصر تداعيات الحر على الصحة العامة فحسب، بل طالت قطاع الطاقة والبنية التحتية الحيوية، حيث اضطرت محطات الطاقة النووية في فرنسا ومحطة باكس في هنغاريا إلى تعليق عملياتها مؤقتًا بسبب انخفاض منسوب مياه نهر الدانوب المستخدمة في التبريد، مما أثار مخاوف جدية بشأن أمن الطاقة في القارة، خاصة مع تزامن ذلك مع ارتفاع الطلب على الكهرباء لتشغيل مكيفات الهواء ومراوح التبريد.

كما تسببت درجات الحرارة القياسية في حرائق غابات واسعة في عدة دول أوروبية، خاصة في جنوب القارة، حيث التهمت النيران آلاف الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية، مما أدى إلى نزوح الآلاف من السكان وتدمير الممتلكات والمحاصيل. وزادت موجة الجفاف المصاحبة للحر من حدة الأزمة المائية، حيث سجلت الأنهار الكبرى مثل الراين والدانوب مستويات قياسية من الانخفاض، مما أثر على حركة الملاحة النهرية ونقل البضائع، وزاد من تكلفة الطاقة والغذاء.

 

تحذيرات العلماء والمستقبل:

يؤكد العلماء أن تغير المناخ يلعب دورًا محوريًا في زيادة وتيرة وشدة موجات الحر، مشيرين إلى أن خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ قد صنفت شهري يونيو ويوليو 2026 كأكثر شهرين حرارة على الإطلاق في غرب أوروبا منذ بدء التسجيلات المناخية. ويحذر الخبراء من أن ما حدث في صيف 2026 قد يكون مجرد بداية لمواسم أكثر تطرفًا في السنوات القادمة، إذا لم تتخذ الحكومات الأوروبية خطوات جادة وحاسمة للحد من الانبعاثات الكربونية، والالتزام بتعهداتها المناخية بموجب اتفاقية باريس.
ويدعو الباحثون إلى ضرورة تعزيز استراتيجيات التكيف مع المناخ المتغير، من خلال تحسين أنظمة الإنذار المبكر لموجات الحر، وتوفير ملاجئ باردة للفئات الأكثر تضررًا، وتعديل مواعيد العمل في ساعات الذروة الحرارية، والاستثمار في بنية تحتية قادرة على تحمل درجات الحرارة القصوى، وتطوير أنظمة تبريد صديقة للبيئة في المستشفيات ودور المسنين والمدارس، إلى جانب تكثيف حملات التوعية حول مخاطر الحر وكيفية التعامل معه، خاصة بين كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة.

وفي النهاية، تظل أرواح 25 ألف شخص  هي الثمن الباهظ الذي دفعته أوروبا هذا الصيف، ثمن التغير المناخي الذي بات يطرق أبواب الجميع، دون استثناء، محذرًا من أن التباطؤ في مواجهته قد يجعل الأرقام القادمة أكثر فداحة، والموجات القادمة أكثر قسوة، في سباق مع الزمن قد يكون مصير البشرية كلها هو الرهان الأكبر فيه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة