لم تعد أزمة إعلام جماعة الإخوان الإرهابية مجرد أزمة خطاب سياسي أو اختلاف في الرؤى، بعدما كشفت السنوات الماضية عن منظومة إعلامية ضخمة تحتاج إلى أموال طائلة للاستمرار، وتضم قنوات ومنصات وشركات إنتاج وعاملين ومذيعين وفرق إعداد وإنتاج، وهو ما يفتح الباب أمام السؤال الأكثر إزعاجًا بالنسبة لهذه المنظومة: من يدفع؟ ومن أين تأتي الأموال؟ وكيف تتحرك بين الشركات والكيانات المختلفة؟
هذا السؤال ليس ترفًا سياسيًا، ولا محاولة لمصادرة حق أي شخص في العمل الإعلامي، لكنه يصبح مشروعًا عندما تكون هناك منظومة إعلامية مرتبطة بالجماعة الإرهابية وتواصل إنتاج خطاب عدائي ضد الدولة المصرية، بينما تتحدث تقارير وتحقيقات منشورة عن شبكات شركات وملكية وتمويل معقدة تعمل عبر أكثر من دولة.
وهنا تحديدًا يبدأ السؤال الحقيقي، إذا كانت هناك مؤسسة إعلامية تنفق مبالغ ضخمة بصورة منتظمة، فمن أين يأتي التمويل؟ وما طبيعة العلاقة بين الشركات المنتجة والكيانات المالكة والقنوات التي تبث المحتوى؟ وهل كل حركة مالية معلنة ومسجلة بالشكل الذي يتطلبه القانون، أم أن تعدد الكيانات يمكن أن يجعل الصورة أكثر تعقيدًا؟
ماكينة إعلامية تحتاج إلى ماكينة أموال
المشكلة أن الجماعة الإرهابية لم تعد تعتمد فقط على خطيب أو مذيع يخرج أمام الكاميرا لإطلاق خطاب تحريضي، وإنما بنت خلال السنوات الماضية منظومة كاملة تبدأ من التمويل، مرورًا بالشركات، وصولًا إلى المحتوى الذي يصل إلى المشاهد.
المفارقة أن المشاهد يرى مرتزقة الإخوان الإرهابية بينما قد تكون وراء البرنامج منظومة كاملة من التمويل والإدارة والإنتاج، وهنا تظهر خطورة ما يمكن وصفه بـ«المذيع المرتزق» عندما يتحول العمل الإعلامي من ممارسة مهنية إلى وظيفة داخل ماكينة سياسية هدفها إعادة تدوير رواية واحدة، وتضخيم الأزمات، وانتقاء المعلومات، وصناعة حالة دائمة من الغضب تجاه الدولة المصرية.
كشف مصادر التمويل ليس استهدافًا للإعلام، وإنما استهداف للغموض الذي يحاول أن يحول المال إلى خطاب، والخطاب إلى شائعة، والشائعة إلى أزمة، والسؤال يجب أن يبقى واضحًا: إذا كان النشاط الإعلامي قانونيًا، فلماذا لا تكون ملكيته وتمويله وعلاقاته التجارية واضحة؟ وإذا كانت الشركات تعمل وفق القانون، فما المشكلة في إخضاع سجلاتها وحساباتها للقواعد الرقابية المعتادة؟
والجماعة الإرهابية تستطيع تغيير أسماء القنوات، وتبديل الشركات، ونقل النشاط من دولة إلى أخرى، وتغيير الوجوه أمام الكاميرات، لكنها لا تستطيع إلغاء أثر المال، وهنا تكمن نقطة الضعف الحقيقية في إمبراطورية إعلام الجماعة المحظورة: أنها تستطيع تغيير القناع، لكنها لا تستطيع إخفاء كل الخيوط إلى الأبد.