رياء الإخوان.. باحث شؤون متطرفة: الجماعة حوّلت العبادة إلى تدين استعراضي.. خطيئتهم الأشد خطرًا عبر تاريخهم.. اختطفت العبادة وحولتها لمعارك شكلية بهدف التمدد التنظيمي وفرض الحضور في المجال العام

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026 10:00 م
رياء الإخوان.. باحث شؤون متطرفة: الجماعة حوّلت العبادة إلى تدين استعراضي.. خطيئتهم الأشد خطرًا عبر تاريخهم.. اختطفت العبادة وحولتها لمعارك شكلية بهدف التمدد التنظيمي وفرض الحضور في المجال العام الاخوان الارهابية

كتبت: منة الله حمدى

 

أكد طارق أبو السعد، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، أن جماعات الإسلام السياسي خلال القرن العشرين ارتكبت جملة من الخطايا بحق المجتمعات التي ظهرت فيها، ولعل أشهرها وأكثرها تداولًا الإرهاب والاغتيالات وسفك دماء الأبرياء، غير أن أخطر هذه الخطايا، والأقل تناولًا عند الحديث عن إرث الإسلام السياسي، تتمثل في صناعة ما يمكن وصفه بـ"التدين الاستعراضي".

 

من المضمون إلى الصورة: تحويل العبادة لأداة سياسية

وأضاف الباحث في شؤن الجماعات المتطرفة: لقد سعى حسن البنا منذ تأسيس جماعة الإخوان في نهاية عشرينيات القرن الماضي، إلى إيجاد مساحة واسعة للجماعة داخل المجتمع، وكان بناء المساجد أحد المجالات التي حاول الإخوان منافسة المجتمع فيها، باعتبار المسجد رمزًا للعبادة والحضور الديني. غير أن الإشكالية لم تكن في بناء المساجد، وإنما في نقل الدين من كونه مضمونًا يُعاش إلى صورة تُعرض، ومن قيمة تهذب الإنسان إلى علامة تميز الجماعة عن محيطها. وكان من أسهل الطرق لتحقيق ذلك إشعال المعارك حول فرعيات العبادة، وتحويل بعض المظاهر الدينية من وسائل للارتقاء بالإنسان إلى أدوات لإثبات التفوق التنظيمي وفرض الحضور في المجال العام.


وأضاف أبو السعد أن الإخوان صنعوا ما يمكن تسميته "صناعة التدين الشكلي"، أو ما وصفه الكاتب والمفكر المصري ثروت الخرباوي بـ"التدين الاستعراضي"، وهو تدين ينشغل بالشكل أكثر من المضمون، ويحرص على إظهار الالتزام أمام الآخرين، حتى لو أدى ذلك أحيانًا إلى الصدام معهم. فلم يكن جوهر المشروع الإخواني قائمًا بالدرجة الأولى على ترسيخ المعاني العميقة للعبادة وآثارها في النفس والمجتمع، من تهذيب الإنسان وتحقيق السلام النفسي وتعزيز الرحمة والعدل والأمانة، بقدر ما انصرف إلى صناعة هوية دينية تميز أعضاء الجماعة وتمنحهم حضورًا خاصًا داخل المجتمع. مشيرًا إلى أبرز مظاهر شكلانية التدين واستعراضه أمام الناس، صناعة الصخب حول مسائل فرعية في العبادات، أو إعادة إحياء ممارسات دينية تراجعت بفعل تغير الزمن وتطور الوعي الاجتماعي، ثم تقديمها باعتبارها معيارًا للالتزام والإيمان.

 

تحويل مسألة فقهية لمعركة اجتماعية

وأكد طارق أبو السعد أن حسن البنا افتعل مظاهر شكلية للتدين مع بدايات الجماعة في الإسماعيلية، فبحسب ما أورده "البنا" في مذكراته، وبعد نحو عام من انتشار الجماعة، قرر إثارة قضية صلاة العيد في الخلاء بدلًا من المساجد، باعتبارها سنة مهجورة ينبغي إحياؤها. ولا تكمن القضية هنا في الحكم الفقهي ذاته، ولا في المفاضلة بين الصلاة في الخلاء أو المسجد، إذ إن المسألة محل اختلاف بين الفقهاء، وإنما في تحويل مسألة فرعية إلى معركة اجتماعية واسعة، بحيث أصبح الاختلاف حول مكان أداء العبادة وكأنه اختبار لإيمان المجتمع.

وأشار أبو السعد؛ إلى أن حسن البنا كتب في مذكراته، عن حالة الانقسام التي شهدتها الإسماعيلية بسبب هذه القضية، حتى تساءل البعض: كيف تكون الصلاة في الطرقات أفضل من المساجد المعدة والمهيأة للصلاة؟ والمفارقة أن "البنا" نفسه، بعد أن انتصر لفكرته وأشعل جدلًا واسعًا في الإسماعيلية، لم يصلِّ العيد مع الناس في الخلاء، وإنما عاد متسللًا إلى القاهرة، وصلى العيد في مسجد القماري بالدرب الأحمر، حيث كانت تقيم أسرته في عطفة عبد الله بيك.

 

معارك المساجد سلاح الإخوان لصناعة التدين الاستعراضي

ومن البنا في الإسماعيلية إلى طلبة الإخوان في الجامعة المصرية عام 1938، حيث أشار "طارق أبو السعد" إلى ما كتبه عبد الحليم محمود، في كتابه الشهير "الإخوان: أحداث صنعت التاريخ"، عن مرحلة جديدة من هذا الحضور الاستعراضي. ويذكر في الجزء الأول،أن طلبة الإخوان عند دخولهم الجامعة كان مطلوبًا منهم القيام بعمل ما، على أن يكون هذا العمل مدويًا، وله صدى واسع، وملفتًا لأنظار الجميع. موضحًا:"إن المساجد هي معركتنا، فهو رمز الإسلام في دار المسلمين". ورغم إقراره بأن عددًا كبيرًا من الكليات كان يضم مصليات يستطيع الطلاب أداء الصلاة فيها، فإن الجماعة لم تكن تبحث فقط عن مكان للصلاة، وإنما عن معركة حول الصلاة نفسها.

وأضاف أبو السعد: إذا عجزت الجماعة عن إنشاء مسجد داخل كليات الجامعة المصرية، أمكن تقديم أفرادها باعتبارهم ضحايا لأعداء الإسلام، أما إذا نجحت في بناء مسجد أو مصلى، ظهرت باعتبارها صاحبة راية التوحيد والمدافعة عن الدين. وهكذا أصبح الانتصار التنظيمي في معركة محدودة يُقدَّم باعتباره انتصارًا للدين كله، وأصبح الاعتراض على الجماعة يُصوَّر باعتباره اعتراضًا على الإسلام، وهي إحدى أخطر الحيل النفسية التي اعتمدت عليها جماعات الإسلام السياسي بمختلف صورها؛ إذ نجحت في تحويل القضايا والمسائل الدينية إلى ساحات لإثبات الحضور والتفوق، مدركة أن الصخب المحيط بالعبادة قد يصبح، في بعض الأحيان، أكثر تأثيرًا من العبادة ذاتها.


وأكد الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة على أن الجماعة عملت على ترسيخ نموذج التدين الاستعراضي، فتراجع السؤال الأساسي: "ما الأثر الذي تركته العبادة في الإنسان؟"، ليحل محله سؤال آخر: "كيف ظهرت الجماعة وهي تدافع عن العبادة؟" وبذلك تحولت العبادة، أيًّا كانت، من علاقة روحية بين الإنسان وربه إلى هوية تنظيمية، وأصبح التدين من قيمة مشتركة بين أفراد المجتمع إلى أداة للتمييز بينهم. فلم تكتف الجماعة بممارسة العبادة، وإنما سعت إلى صناعة فعل مصاحب لها يحظى بصدى اجتماعي، بما يعزز صورتها باعتبارها حامية للدين والمدافعة عنه.

واستمرت معارك الإخوان، أو ما يمكن وصفه بالاحتكاك المتعمد بالمجال الديني، ومع إعادة تأسيس الجماعة في سبعينيات القرن العشرين، بحثت عن صور جديدة للتدين الاستعراضي، فبرزت مظاهر مثل اللحية والنقاب، والكتاب الإسلامي، والمخيمات والمعسكرات الإسلامية في المدن الجامعية.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة