في خيمة صغيرة غرب دير البلح بغزة، تتكدس تفاصيل حياة عائلة فلسطينية من عشرة أفراد، بعدما حملت الحرب معها ما هو أكبر من قدرتهم على الاحتمال، عشرة أشخاص يتقاسمون مساحة ضيقة، ونوما متقطعا، وطعاما لا يعرفون إن كان سيكفي حتى المساء، وبينما يحاول الأب موسى النجار أن يبدو متماسكا أمام أطفاله، تتراكم فوق كتفيه هموم المرض والنزوح والفقر والجوع، حتى أصبح مجرد تأمين وجبة إضافية لأطفاله إنجازا يوميا يستحق الانتظار في طوابير طويلة.
أمراض وراثية
لدى موسى ثلاثة أبناء يعانون منذ ولادتهم من مشكلات وراثية في شبكية العين، من بينها رأرأة العين، وهي حالة تؤثر في حركة العين والرؤية، لا يستطيع الأطفال الرؤية بوضوح لمسافات بعيدة؛ ويقول والدهم إن مدى رؤيتهم خلال النهار لا يتجاوز نحو مترين، بينما تكاد الرؤية تنعدم تحت أشعة الشمس المباشرة.
لهذا السبب، أصبحت الخيمة بالنسبة إلى الأطفال مكانا للسكن ومكانا للاختباء في الوقت نفسه، لا يغادرونها كثيرا، ليس لأنهم لا يريدون اللعب أو الحركة أو رؤية العالم من حولهم، وإنما لأن الشمس بالنسبة إليهم ليست مجرد ضوء طبيعي، بل عامل يزيد معاناتهم ويجعل الرؤية أكثر صعوبة.
موسى النجار وعائلته
خيمة صغيرة
في غزة، حيث يبحث الأطفال عادة عن مساحة صغيرة للعب وسط الركام والخيام، يجد أبناء موسى أنفسهم أمام عالم محدود بجدران قماشية، الشمس التي ينتظرها الناس لتجفيف ملابسهم أو تدفئة أجسادهم، يخشاها هؤلاء الأطفال، يخرجون حين تخف حدتها، ويبقون داخل الخيمة عندما تشتد، فيصبح النهار الطويل أكثر قسوة عليهم.
المرض ليس وحده ما يضيق عالم الأطفال، فالحرب دفعت العائلة إلى النزوح من شمال غزة نحو الجنوب، ولم يكن ذلك نزوحا واحدا، فقد اضطروا إلى النزوح 12 مرة، وفي كل مرة كانوا يحملون ما يستطيعون حمله، ويتركون وراءهم مكانا لم يكن آمنا بما يكفي ليبقوا فيه.
نزوح متكرر
12 مرة تعني أن الأطفال تعلموا معنى الرحيل قبل أن يتعلموا معنى الاستقرار، كذلك تعني أن الخيمة ليست منزلهم الأول، والمكان الذي ينامون فيه اليوم قد لا يكون المكان الذي يستيقظون فيه غدا، والأسرة التي كان من المفترض أن تنشغل بمرض أطفالها وعلاجهم وتعليمهم، باتت تنشغل أولا بالسؤال الأبسط والأقسى: أين سننام الليلة؟ وماذا سنأكل غدا؟
اليوم، يعيش موسى وأسرته في خيمة غرب دير البلح، عشرة أفراد في مساحة واحدة، يتقاسمون الهواء والبرد والحرارة والقلق، ويواجهون يوما جديدا من دون مصدر دخل ثابت.
الفقر لم يعد ظرفا عابرا في حياة هذه الأسرة، بل أصبح جزءا من تفاصيلها اليومية، لا دخل لدى موسى، ولا قدرة لديه على توفير احتياجات أطفاله كما كان يتمنى، وحتى الطعام الذي يدخل الخيمة لا يأتي من عمل أو راتب أو سوق يستطيع أن يختار منه ما يناسب أسرته، وإنما من التكية، حيث تقف العائلات المحتاجة في طوابير طويلة بحثا عن وجبة تسند أطفالها.
هناك، يقف موسى بين عشرات وربما مئات المحتاجين، لا ينتظر مالا ولا فرصة عمل، بل ينتظر طبقا من الطعام، ويحاول أن يحصل على أكبر قدر ممكن، لا لأنه يريد التخزين، وإنما لأن الوجبة التي يحملها إلى الخيمة قد تكون كل ما يستطيع تقديمه لأطفاله حتى المساء.
في حياة كهذه، تصبح لقمة العشاء مشروعا عائليا كاملا، يحاول الأب أن يوزع ما حصل عليه بما يكفي الأطفال، وأن يترك شيئا لوجبة أخرى، ويجعل الطعام يمتد إلى أبعد وقت ممكن، كل ملعقة تصبح محسوبة، وكل كمية إضافية تعني ساعات أقل من القلق.
يقول موسى، في واقع حياته اليومية، إن الخضروات والفواكه لم تعد تدخل خيمته، ليست لأنها غير موجودة في العالم، وإنما لأن الأسرة لم تعد تملك القدرة على شرائها، ما كان يوما جزءا طبيعيا من وجبات الأطفال أصبح شيئا بعيدا عن متناول اليد، ومع مرور الوقت، حدث أمر ربما يكون أقسى من الجوع نفسه، تغيرت أولويات الأسرة.
كان مرض الأطفال يحتاج إلى متابعة وعلاج، وكانت مشكلات شبكية العين تستحق الرعاية الطبية والفحوصات والأدوية، لكن أمام الفقر وانعدام الدخل وصعوبة توفير الطعام، أصبح العلاج رفاهية مؤجلة، لم يعد السؤال الأول متى يحصل الأطفال على العلاج؟ بل ماذا سيأكلون اليوم؟
هكذا، وجدت الأسرة نفسها أمام معادلة مؤلمة، أطفال يحتاجون إلى رعاية صحية، وأب يحتاج إلى مصدر دخل، وأسرة من عشرة أفراد تحتاج إلى الطعام، وحرب أغلقت أبواب الحياة الطبيعية أمامهم، حتى الهموم تبدلت.
لم يعد موسى يملك الوقت الكافي ليجلس ويفكر طويلا في مرض أطفاله أو في كل ما فقدته العائلة خلال النزوح، هناك هم أكثر إلحاحا يطرق باب الخيمة كل يوم، الطعام، لذلك يصطف في طوابير التكية، ويحاول العودة بما يكفي من الطعام ليضمن لأطفاله وجبة أخرى، ولو كانت بسيطة، وبالنسبة إلى الأب، فإن رؤية أطفاله يأكلون قد تكون اللحظة الوحيدة التي تخفف عنه ثقل اليوم.
في خيمة لا تتجاوز مساحتها احتياجات عشرة أشخاص، يحاول موسى أن يحافظ على ما تبقى من شعورهم بأنهم عائلة، كما يحاول أن يخفي خوفه عن أطفاله، ويجعل الوجبة تبدو عادية، ويمنحهم شيئا من الأمان في مكان لا يعرف الأمان.
أما الأطفال الثلاثة الذين ولدوا بمشكلات في الرؤية، فقد وجدوا أنفسهم في حرب تضيق فيها الخيارات حتى أمام من يستطيعون الرؤية جيدا، بالنسبة إليهم، العالم الخارجي ليس فقط عالما من الركام والخيام والنزوح، بل عالم شديد السطوع يؤلم أعينهم ويحد من قدرتهم على الرؤية، إنهم أطفال يحتاجون إلى العلاج، والغذاء الجيد، والرعاية، وبيئة آمنة، ومدرسة ومساحة للعب، لكنهم يعيشون اليوم في خيمة، يعتمدون على وجبات التكية، ويتجنبون الشمس، ويحاولون أن يتكيفوا مع حياة لم يختاروها.
أما موسى، فيواصل الوقوف في الطوابير، ربما لا يستطيع أن يوفر لأطفاله ما يحتاجونه من علاج، ولا يستطيع شراء الفاكهة والخضروات، ولا يستطيع أن يعيدهم إلى بيتهم، أو أن يوقف الحرب التي اقتلعتهم من الشمال 12 مرة، لكنه يستطيع أن يقف في الطابور، ويحمل ما يحصل عليه، ويعود إلى خيمته، ويضع الطعام أمام أطفاله.
في نهاية كل يوم، قد لا يكون لدى موسى الكثير ليقدمه لأبنائه، لكنه يحاول أن يمنحهم الشيء الأهم بالنسبة إليه، أن يناموا وهم أقل جوعا، حيث تختصر قصة هذه العائلة جانبا من المأساة الإنسانية في غزة، مرض وراثي كان يحتاج إلى علاج ومتابعة، تحول إلى هم مؤجل أمام الجوع، وأطفال كان يفترض أن يكبروا في بيت آمن، أصبحوا يعيشون في خيمة ويتجنبون الشمس، وأب كان يفترض أن ينشغل بمستقبل أبنائه، أصبح همه الأكبر أن يحصل على وجبة تكفيهم حتى العشاء.