اعتزمت سيدة الغناء العربى أم كلثوم جمع مليون جنيه مصرى، عبر إقامة 24 حفلة فى 24 مدينة مصرية، لدعم المجهود الحربى وأعمال المقاومة العربية بعد هزيمة 5 يونيو 1967، وكانت مدينة دمنهور عاصمة محافظة البحيرة محطتها الأولى فى ليلة 17 أغسطس، مثل هذا اليوم، 1968، ولم تقدم حفلاتها لدعم المجهود الحربى إلا فى أربع محافظات فقط «البحيرة، الإسكندرية، المنصورة، طنطا»، بخلاف حفلاتها خارج مصر، حسبما يذكر الكاتب والباحث كريم جمال فى كتابه «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربى»، مضيفا: «تحول صوتها منذ تلك الليلة إلى مدفع، ونبراته إلى طلقات، وفرقتها الموسيقية إلى كتيبة جيش كاملة تحارب بها أينما ذهب وأينما غنت».
يصف «جمال» ليلتها فى دمنهور، قائلا: «على أرض مركز شباب دمنهور وعلى مساحة ما يقرب من ثمانية آلاف متر، صمم مسرح كبير يليق بأم كلثوم وحفلتها الأولى من أجل دعم المجهود الحربى، إذ حضر ما يقرب من 3500 مستمع ليدفعوا 38 ألف جنيه ثمنا للتذاكر، ويعد الأعلى فى سجل حفلات أم كلثوم حتى ذلك التاريخ، إذ كان دخل حفلاتها فى العادة لا يتجاوز 14 ألف جنيه مصرى عن الحفلة الواحدة، لكن خصوصية هذه الحفلة وغرضها النبيل ضاعفا تلك الحصيلة».
وعن حالة الإقبال على تذاكر الحفل، يذكر «جمال»: «كانت هناك مئتا تذكرة ثمن الواحدة منها مئة جنيه، نفذت عن آخرها منذ اليوم الأول لطرحها فى منافذ البيع، بعدما اشتراها مئتا شخص أغلبهم من التجار والمزارعين وأصحاب الورش وصيدلى واحد وعضو فى مجلس الأمة، وأول من اشترى واحدة من تلك التذاكر هو السيد توفيق صاحب ورشة لإصلاح السيارات، أما صاحب التذكرة الثانية فهو أنور أبوشقرة تاجر خضراوات فى البحيرة، وبمجرد أن نفدت جميع التذاكر من فئة المئة جنيه، طلب المحافظ وجيه أباظة كشفا بأسمائهم وعناوينهم وزارهم جميعا فى منازلهم ليشكرهم على مساهمتهم فى المجهود الحربى، وعندما عجز أحد الذين اشتروا تلك التذاكر ذات المئة جنيه عن الحضور، اتصل بوجيه أباظة معتذرا، وأرسل له التذكرة متنازلا عن قيمتها، لأنه أراد أن تذهب من أجل الإسهام فى المجهود الحربى، وطلب أن يعاد بيعها، ووصل سعرها إلى مائتى جنيه، وهو شىء لم يسبق له مثيل فى حفلات أم كلثوم».
يضيف «جمال»، أن التذاكر طبعت وعليها عبارة وجيزة توحى بأهمية تلك الليلة وخصوصيتها، وهى: «تتشرف السيدة أم كلثوم بدعوة سيادتكم لحضور الحفل، الذى تقيمه لصالح المجهود الحربى بمركز الشباب بدمنهور»، وقبل أن يبدأ الحفل، وقف فنان تشكيلى من الإسكندرية ورسم صورة كبيرة للسيدة أم كلثوم، وأعلن فى مدخل مركز الشباب أنه سيبيعها فى المزاد العلنى ليضاف ثمن اللوحة إلى حصيلة الحفل، فأقبل عليه أحد تجار البحيرة، وأعلن أن صور أم كلثوم أغلى من أن تباع، ودفع ثمنها على الفور مئتين وخمسين جنيها أضيفت فى نهاية الليلة إلى صافى دخل الحفل.
انفرج الستار، ووقفت أم كلثوم تحيى جمهورها، وتقدم وجيه أباظة محافظ البحيرة لمصافحتها، وقدم لها شيكا بمبلغ 38 ألف جنيه و750 جنيها، كتب باسم السيدة أم كلثوم إبراهيم، وبعد أن أنهى كلمته ظهر على المسرح عضوان من المكتب التنفيذى للعمال والفلاحين فى «الاتحاد الاشتراكى»، وصافحا أم كلثوم وقدما إليها 30 كيلو من سبائك الذهب ثمنها 27 ألفا و600 جنيه جمعاها من مواطنى البحيرة، ومن عمال مقاومة الدودة وعمال النسيج فى المحافظة، مساهمة منهم فى دعم المجهود الحربى.
يضيف «جمال» أن أم كلثوم وقعت إيصالا بالتسلم أقرت فيه أنها ستقدم هذه السبائك إلى الجهات المختصة باسم «سيدات التجمع الوطنى من أجل المجهود الحربى»، وقبل أن يغادر المسرح، خاطب وجيه أباظة الجماهير المحتشدة فى السرادق، قائلا: «إننا لا نستقبل أم كلثوم كفنانة عظيمة فقط يأسرنا فنها ويروينا، وإنما نستقبلها كمناضلة فى طليعة المناضلين بأمضى سلاح، سلاح الفن، خاصة إذا كان فن أم كلثوم».
بدأت أم كلثوم حفلتها بأغنية «أمل حياتى»، وفى وصلتها الثانية غنت «فات الميعاد»، ويذكر «جمال»، أنها انتهت من حفلها فى نحو الساعة الثانية والنصف صباحا، واستقلت سيارة وجيه أباظة إلى منزله، حيث قضت ليلتها فى ضيافة عائلته، وفى صباح يوم 18 أغسطس 1967، قامت بجولة فى المدينة مع المحافظ زارت خلالها مراكز التدريب المهنى لأطفال البحيرة، والمستشفى الأميرى، وقدمت لها المستشفى شيكا بمبلغ 10 آلاف جنيه تبرعا للمجهود الحربى.
وضعت أم كلثوم شيك المستشفى مع الشيك الأول، وضمت إليهما شيكا ثالثا بـ150 جنيها تبرع به أطفال مركز التدريب المهنى لدعم المجهود الحربى، وانتهت زيارتها بعد أن جمعت نحو 75 ألفا و900 جنيه للمجهود الحربى، وينقل كريم جمال تعقيب «أخبار اليوم» فى عددها 19 أغسطس 1967 على تلك الحفلة: «أم كلثوم ليست مجرد فنانة، وليست مجرد متطوعة لجمع التبرعات، ولكنها أكثر من هذا. إنها صوت مصر.. إنها وجه مصر».