محمود عبد الراضى

ترف كاذب وعز مستعار

الخميس، 13 أغسطس 2026 09:44 ص


في أروقة القاعات الفاخرة، تتلألأ الثريات لتضيء الوجوه بأقنعة من زيف وابتسامات مصنوعة، تنهمر الأطعمة على الموائد في استعراض مهيب، بينما ترتجف القلوب خفية تحت جمر الفواتير، وتئن النفوس تحت وطأة أرقام خيالية سحبت من رصيد الغد المجهول، إنها مأساة هذا العصر: أن تعيش في دَيْن دائم، لتشتري المديح الزائف.

تحولت مناسباتنا الاجتماعية من ملاذات للوصل والتراحم إلى ميادين للتفاضل والتزاحم، نقتني ما لا نحتاج بنقود لا نملكها، لنبهر من لا يبالون!

نبالغ في التكلف كي لا يقال: "قصروا"، ونستدين للشكليات كي لا يقال إننا دون غيرنا، وما إن تنطفئ الأنوار وتطوى السجادات الحمراء، حتى يستيقظ صاحب الدار على واقع مكشوف: قروض تتراكم، وأقساط تتزاحم، وبيت كان يضج بالجمع أمس، أصبح خاويا إلا من صدى الخوف وحسرة الندم.

يا لها من مفارقة صارخة: نشتري رضا الناس بخصم مباشر من راحة بالنا! نرتدي الثياب الباهظة لنستر فقر نفوسنا، ونقيم الولائم السخية لنخفي خواء بيوتنا.

أصبحنا أسرى في سجون الانطباعات الأولى، نخشى نقد المجتمع أكثر مما نخشى ضياع المستقبل.

كم من بيت تأسس على أكوام من الورد وانتهى في أروقة المحاكم بسبب ديون عجز العائل عن سدادها! وكم من أسرة عاشت دهرها تحت مقصلة الحاجة لمجرد أنها أرادت أن تقيم حَفلا "يليق بالمقام".. فأي مقام هذا الذي يبنى على كسر الكاهل وإهانة العقل؟

المظاهر الكاذبة ليست سوى فقاعة صابون؛ تبدو براقة وهي تحلق في الهواء، لكنها تتلاشى عند أول ملامسة للواقع، ولا تترك خلفها سوى بلل الخيبة ومرارة الدين.

لقد حان الوقت لنسترد شجاعة البساطة؛ فالكرامة لا تقاس بسعة الولائم، والعز الحقيقي لا يستعار من البنوك، إنما العز في ستر الحال، وراحة البال، والعيش تحت سقف القدرة لا تحت رحمة النظرة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة