بينما تواصل جماعة الإخوان الإرهابية تسويق خطاب الإحباط واليأس، وتدفع بأتباعها إلى معارك افتراضية عنوانها الفقر والأزمات والمعاناة، تظهر مفارقة صارخة تكشف جوهر هذه التجارة السياسية: من يملك المنصة ليس كمن يدفع ثمنها، ومن يبيع الوهم لا يعيش بالضرورة تفاصيل الحياة التي يطلب من الآخرين تحمل قسوتها.
على مدار سنوات، اعتمدت الجماعة الإرهابية على صناعة خطاب يقوم على تضخيم الأزمات، وتحويل كل مشكلة إلى وقود دائم للغضب، مع تقديم قياداتها وأذرعها الإعلامية باعتبارهم أصحاب قضية يدافعون عن البسطاء. لكن السؤال الذي يفرض نفسه أمام هذا الخطاب هو: من يدفع فاتورة هذه المعارك، ومن يحصد عوائدها؟.
تجارة الإحباط.. الجمهور يدفع والفاتورة لا تصل إلى القيادات
تقوم إحدى أخطر أدوات الجماعة الإرهابية على تحويل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى مادة سياسية جاهزة للاستهلاك، بحيث يصبح المواطن البسيط هدفا دائما لرسائل تستثمر في غضبه ومخاوفه، وتدفعه إلى الاعتقاد بأن الانهيار هو قدر محتوم وأن المستقبل مغلق.
وفي المقابل، تتحرك دوائر من القيادات والأبواق الإعلامية في مساحات أكثر أمنا ورفاهية، بعيدا عن الواقع الذي يجري تصويره للجمهور باعتباره جحيما لا يطاق.
وهنا تظهر المفارقة: خطاب يدعو إلى الزهد والصبر والتضحية، بينما بعض من يتصدرون المشهد يعيشون خارج دائرة المعاناة التي يطالبون الآخرين بتحملها.
«الأتباع» وقود المعركة
على الجانب الآخر، يتحول العضو أو المتعاطف البسيط إلى الحلقة الأضعف في هذه المنظومة؛ فهو المطلوب منه أن يشارك، وينشر، ويهاجم، ويخوض المعارك الإلكترونية، ويعيد تدوير الرسائل المحبطة، بينما لا يحصل في المقابل سوى على جرعة جديدة من الغضب والشعور بالعجز.
هذه المعادلة تكشف أن الإنسان البسيط لا يمثل بالضرورة هدفا لتحسين أوضاعه، بقدر ما يمثل وقودا لاستمرار ماكينة الدعاية.
فكلما زاد الإحباط، ارتفعت قابلية الجمهور لتصديق الرسائل التي تقدمها الجماعة الإرهابية باعتبارها الحقيقة الوحيدة، وكلما اتسعت الفجوة بين الواقع والطموحات، أصبح استثمار الغضب أكثر سهولة.
رفاهية القيادات.. وخطاب التقشف للأتباع
المفارقة الأكثر وضوحا تظهر حين يقارن المتابع بين الخطاب الذي يطالب الأتباع بالتضحية وبين حياة بعض القيادات التي استطاعت بناء دوائر مصالح وشبكات علاقات خارج الحدود.
فبينما يجري تقديم التضحية باعتبارها واجبا على القواعد، لا يبدو أن مفهوم التضحية يتم توزيعه بالتساوي داخل التنظيم.
الأتباع مطلوب منهم دفع الثمن اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، بينما تتحول القيادة إلى إدارة للمشهد من مسافات آمنة، مستفيدة من المنصات الإعلامية وشبكات التمويل والعلاقات العابرة للحدود.
أبواق مأجورة.. تحويل المعاناة إلى محتوى
تظهر المفارقة أيضا في بعض الوجوه الإعلامية التي جعلت من الهجوم على الدولة المصرية مهنة قائمة بذاتها، فالمتلقي البسيط يرى شاشة تتحدث باستمرار عن الفقر والمعاناة وانسداد الأفق، بينما يتحول هذا الخطاب نفسه إلى مصدر رزق لمن يقدمه، وإلى صناعة لها حساباتها ومواردها وشبكاتها.
وهكذا تصبح معاناة المواطن مادة قابلة للتوظيف الإعلامي، وكل أزمة فرصة لإنتاج محتوى جديد، وكل ارتفاع في الأسعار مناسبة لشحن الغضب، وكل مشكلة خدمية فرصة لإعادة تدوير خطاب الانهيار.
المعادلة هنا شديدة القسوة، فالمواطن يعيش الأزمة، والإعلامي يتاجر بصورة الأزمة، والقيادة تستثمر سياسيا في الغضب الناتج عنها.
صناعة عدو دائم.. حتى لا ينتهي دور «السمسار»
حتى تستمر تجارة الإحباط، تحتاج الجماعة الإرهابية دائما إلى عدو حاضر في المشهد، فمرة تصبح الدولة هي المسؤول الوحيد عن كل مشكلة، ومرة تتحول المؤسسات إلى شماعة، ومرة يجري تصوير المجتمع كله باعتباره يعيش في حالة انهيار دائم.
الهدف ليس تقديم حلول واقعية، وإنما إبقاء الجمهور في حالة توتر مستمرة، لأن المواطن الذي يشعر بأنه محاصر من كل الاتجاهات يصبح أكثر استعدادا لاستهلاك الخطاب الذي يَعِده بالخلاص السريع.
وهنا تحديدا يتحول «سمسار الإحباط» إلى مستفيد من استمرار الأزمة، لأن انتهاء الأزمة يعني انتهاء جزء كبير من السوق الذي يعيش عليه خطابه.
من يدفع الثمن؟
السؤال الأهم ليس فقط ماذا تقول الجماعة الإرهابية، وإنما من يدفع ثمن ما تقوله؟
الإجابة تكشف التناقض: القاعدة الشعبية هي الطرف الأكثر تعرضا للخسائر، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي، بينما تستطيع القيادات والأبواق البارزة إدارة المعركة من خارج مناطق الخطر.
سقوط القناع.. حين تتحول القضية إلى «سبوبة»
عندما تصبح معاناة الناس مادة دائمة للتسويق، وعندما تتحول الأزمات إلى محتوى، وعندما يطالب أصحاب الخطاب الآخرين بالتضحية بينما يحافظون لأنفسهم على مساحات الأمان والرفاهية، فإن القضية تتجاوز حدود التناقض إلى سؤال أكثر جوهرية حول المستفيد الحقيقي.
هنا تسقط صورة القيادة التي تضحي من أجل الأتباع، وتظهر بدلا منها صورة مختلفة تتمثل في منظومة تستثمر في الغضب، وتعيد إنتاج الإحباط، وتحتاج إلى بقاء جمهورها في حالة استنزاف دائم حتى تظل قادرة على التأثير.
وفي النهاية، يظل الفارق صارخا بين من يبيع الإحباط ومن يعيشه، وبين من يتحدث عن المعاناة من خلف الشاشات ومن يدفع ثمنها على الأرض، فحين يصبح الفقر وقودا للخطاب، والغضب سلعة، والأتباع مجرد أرقام في معركة طويلة، يصبح من حق هؤلاء أن يسألوا: من الذي استفاد فعلا من كل هذه السنوات من الإحباط؟