قد تكون هناك مواسم لانتشار أنواع من الجرائم تدفع البعض إلى البحث عن تفسيرات أو إبداء القلق من ارتفاع نسب أنواع من جرائم العنف، بجانب وجود مواقع التواصل التى تمنح البعض مساحات يحاولون فيه جذب المشاهدات وتحقيق أرباح، فيغرقوا المتابعين فى الغموض والتفاصيل التى تشير إلى أن الجريمة ليست كما يظهر، خاصة أن هناك البعض من محترفى المبالغة، والنفخ فى التفاصيل.
نقول هذا بمناسبة جريمة حى النرجس بالتجمع، والتى تمثل إحدى جرائم العنف المختلط برعب وغموض بجانب برود القاتل وثقته أنه لن ينكشف، والواقع أن هذه الجريمة حسب ما نشر عن اعترافات القاتل تحمل الكثير من العناصر الإجراميفة، التى تظهر بشكل متدرج خاصة أن هذا النوع من الجرائم يصبح مثيرا للرأى العام المتعجل لمعرفة كل التفاصيل، وبالفعل تم فك لغز العثور على الأسرة مقتولة والقبض على المتهم الرئيسى، والذى أدلى باعترافات بدأت بكذبة خلافات مالية وانتهت إلى أن الهدف هو السرقة، ورغم وضوح الاعترافات فإن بعض المدعين عاشوا حالة الخبراء وقبل أن يعرفوا شيئا بدأوا إشاعة الغموض والشكوك من دون انتظار ما إذا كان هناك شركاء للقاتل، الذى يبدو أنه خطط لعمله بطريقة ظن أنها سوف تضمن له النجاة ككل مجرم بهذا الشكل.
نحن أمام جريمة بشعة، وننتظر أن تعلن جهات التحقيق التفاصيل، وبالطبع مع كل جريمة ومع تكثيف النشر عن تفاصيل الجرائم، تنطلق أسئلة حول ما إذا كانت الجريمة تتزايد فى مصر عن المعدلات الطبيعية أم أن التوسع فى نشر التفاصيل والحوادث يضاعف من هذا الشعور بينما المعدلات طبيعية ارتباطا بعدد السكان.
وتذهب بعض الآراء إلى ارتفاع معدلات جرائم العنف عن معدلاتها بالعالم، ويسحبون هذا على وصف المجتمع كله، بينما الواقع أن الأغلبية فى أى مجتمع طبيعية، والمجرمون استثناءات، ولو تابعنا معدلات الجرائم فى الولايات المتحدة مثلا ونوعيتها وكيفية ارتكاب بعضها نعرف أن كل مجتمع فيه صفات، وفى مصر منذ التسعينيات ونحن نتابع معدلات الجريمة وغالبا ما كانت الصحف تطرح هذه الأسئلة وكنا نلجأ إلى علماء الاجتماع ونعرف أن تطور المجتمعات يغير من شكل الجرائم وطبيعتها.
وربما تكون نوعية الجرائم ومتابعة أخبار الحوادث فى الصحف سابقا وحاليا لا يقتصر الأمر على صحف ومواقع ولكن مئات الصفحات الشخصية منها ما ينشر أى كلام ويحاول لفت الأنظار باختراع غموض لجذب مشاهدات أو متابعات، بالطبع هناك تغير كمى ونوعى فى معدلات وأنواع الجريمة، مثلا جرائم القتل بشكل عام، وظهور أنواع من الجرائم التى يرتكبها مراهقون أو صغار سن ويتبعون فيها طرقا مستوحاة من الإنترنت أو الألعاب، مثل جريمة الإسماعيلية التى أنهى فيها مراهق حياة زميله وقطعه بمنشار، أو سفاح التجمع الذى كان يقتل ضحاياه ويعذبهم ويغتصبهم تحت تأثير مخدرات، بينما لم يكن يبدو فى الظاهر مجرما.
وبالطبع فإن جريمة التجمع الأخيرة تكشف عن نفسية قاتل خطير وإن لم يكن ظاهرا من خلال علاقته بالأسرة، وهناك تناقضات فى المعلومات عنه وأسرته، وأنه من أسرة مقتدرة وليس فى ضائقة مالية كما يدعى تفسيرا للجريمة.
وبشكل عام يفترض أن تخضع معدلات الجريمة إلى دراسات وفحص وتحليل للتعامل معها تشريعيا واجتماعيا، لمعرفة ما إذا كان هناك ارتفاع فى أنواع من الجرائم لم تكن موجودة، وذلك قبل إطلاق أحكام بأن المجتمع المصرى لم يكن بهذه الصورة ويبالغ البعض فى رسم صورة لمجتمع مثالى لم يوجد أبدا، وأن معدلات الجرائم تتناسب طرديا مع زيادة السكان وتعقيدات وتطورات الحياة. وما زلنا نطالب بتقارير الأمن العام والمعلومات التى تمكن علماء الاجتماع والنفس من محاولة قراءة هذه التحولات فى المجتمع، بعيدا عن التهوين أو التهويل.
