ليست مجرد ثمرة حمراء تتصدر موائد المصريين.. فالطماطم واحدة من أهم المحاصيل الزراعية في مصر، ومحور رئيسي في منظومة الأمن الغذائي، ومصدر دخل لآلاف المزارعين، فضلًا عن كونها مادة خام لصناعات غذائية تمتد من الصلصة والمركزات إلى الطماطم المجففة.
وبإنتاج سنوي يتراوح بين 6.5 و7.1 مليون طن، ومساحات منزرعة تقترب من 382 ألف فدان سنويًا، تتحرك مصر لتطوير إنتاج «الذهب الأحمر» عبر مسارين متوازيين؛ الأول رفع الإنتاجية ومواجهة آثار التغيرات المناخية، والثاني تقليل الاعتماد على التقاوي المستوردة من خلال استنباط وإنتاج هجن مصرية قادرة على المنافسة.
3 عروات.. والطماطم متاحة طوال العام
تعتمد زراعة الطماطم في مصر على ثلاث عروات رئيسية، بما يضمن استمرار وجود المحصول في الأسواق على مدار العام.
وتستحوذ العروة الصيفية على النصيب الأكبر من المساحات، بنحو 192 ألف فدان، تليها العروة الشتوية بنحو 141 ألف فدان، بينما تصل مساحة العروة النيلية «الخريفية» إلى نحو 49 ألف فدان.
وتختلف إنتاجية الفدان بحسب الصنف ونظام الزراعة ومستوى الخدمة الزراعية، إذ يتراوح متوسط إنتاج الفدان في الحقول المكشوفة بين 15 و18 طنًا، بينما يمكن أن تصل الإنتاجية في الصوب الزراعية الحديثة، مع استخدام الهجن المتطورة، إلى نحو 60 طنًا للفدان.
وتكشف هذه الأرقام عن مساحة كبيرة لزيادة الإنتاج من خلال رفع إنتاجية وحدة الأرض، بدلًا من الاعتماد فقط على التوسع الأفقي، خاصة في ظل محدودية الموارد المائية وارتفاع تكاليف الزراعة.
التحدي الأكبر.. من أين تأتي بذور الطماطم؟
رغم ضخامة إنتاج مصر من الطماطم، ظل ملف التقاوي أحد التحديات الرئيسية أمام قطاع الخضر، في ظل الاعتماد الكبير على البذور المستوردة.
وتشير البيانات إلى أن مصر تستورد نحو 95% من بذور الخضر، وهو ما يعني أن جزءًا مهمًا من تكلفة الإنتاج يرتبط بالسوق الخارجية، بما تحمله من تحديات تتعلق بالأسعار وتوافر التقاوي وسلاسل الإمداد.
ومن هنا جاء التحرك نحو بناء قاعدة وطنية لإنتاج التقاوي، عبر البرنامج الوطني لإنتاج التقاوي التابع لمركز البحوث الزراعية، بهدف استنباط أصناف وهجن مصرية ذات إنتاجية مرتفعة، وأكثر قدرة على التعامل مع الظروف المناخية والبيئية المحلية.
15 هجينًا مصريًا.. خطوة لكسر الاعتماد على الخارج
نجح البرنامج الوطني لإنتاج التقاوي في توفير أكثر من 15 صنفًا وهجينًا من تقاوي الطماطم المسجلة رسميًا، مع تركيز الأبحاث على صفات إنتاجية ومقاومة للأمراض والتقلبات المناخية.
وتستهدف برامج الاستنباط إنتاج هجن يمكن استخدامها في الاستهلاك الطازج والتصنيع الغذائي في الوقت نفسه، إلى جانب قدرتها على مقاومة فيروس تجعد الأوراق وتحمل الملوحة والجفاف ودرجات الحرارة المرتفعة.
وتكتسب هذه الصفات أهمية متزايدة في ظل التغيرات المناخية، التي أصبحت أحد العوامل المؤثرة في إنتاج المحاصيل، خاصة الطماطم التي تتأثر بصورة مباشرة بارتفاع درجات الحرارة خلال مراحل التزهير والعقد.
«F25».. هجين مصري ينتقل من المعمل إلى الأرض
ويبرز هجين F25 كأحد النماذج المهمة في خطة التوسع في إنتاج تقاوي الطماطم محليًا.
فقد جرى توقيع اتفاق بين وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، ممثلة في مركز البحوث الزراعية ووحدة الأنشطة الإنتاجية التابعة لمعهد بحوث البساتين، وشركة تنمية الريف المصري الجديد، للتوسع في إنتاج هجين الطماطم F25 بمنطقة المغرة.
ويستهدف التعاون البدء في زراعة الهجين وتكثيف إنتاجه بالمزرعة النموذجية التابعة للشركة في منطقة المغرة، ضمن مشروع الـ1.5 مليون فدان.
ولا يتوقف التعاون عند عملية الزراعة، إذ يقوم مركز البحوث الزراعية بإمداد الشركة بالشتلات اللازمة، إلى جانب تقديم الإشراف الفني على مراحل الإنتاج والتعبئة، وفق ضوابط الإدارة المركزية لفحص واعتماد التقاوي، بما يضمن الالتزام بالمواصفات الفنية وأرقام الجودة المعتمدة.كما يتضمن الاتفاق حماية حقوق الملكية الفكرية المشتركة بين الجانبين وفق القوانين المنظمة.
البحث العلمي يدخل «الغيط»
الأهمية الحقيقية لهذا الاتفاق تتجاوز إنتاج هجين جديد، إذ يمثل نموذجًا لربط البحث العلمي بالتطبيق الزراعي، ونقل نتائج مراكز البحوث من المعامل إلى المشروعات القومية والأراضي الزراعية.
فبدلًا من أن تنتهي عملية استنباط الهجين عند تسجيله علميًا، يبدأ المسار الأصعب، وهو إنتاج التقاوي على نطاق واسع، واختبارها ميدانيًا، وضمان جودتها، ثم طرحها أمام المزارعين.
ويعني نجاح هذا النموذج إمكانية التوسع مستقبلًا في إنتاج المزيد من الهجن المصرية، بما يدعم بناء صناعة وطنية للتقاوي ويقلل الاعتماد على الاستيراد.
أشهر أصناف الطماطم في مصر
تتنوع الأصناف والهجن التي يزرعها المزارعون المصريون وفقًا للعروة والمنطقة واحتياجات السوق.
ومن بين الأصناف والهجن المتداولة F25، وهجن البحوث المستنبطة حديثًا، إلى جانب الصنف O23، الذي يحظى بانتشار واسع، فضلًا عن أصناف مثل أدفينا، وسوبر سترين بي، وإليسا، ونيوتن، وجي إس.
وتختلف ملاءمة هذه الأصناف بحسب ظروف الزراعة، ومدى تحملها للحرارة والملوحة، وقدرتها على مقاومة الأمراض والفيروسات، بالإضافة إلى مواصفات الثمار المطلوبة للاستهلاك الطازج أو التصنيع.
الطماطم ليست للأكل فقط.. التصنيع كلمة السر
ولا تتوقف أهمية الطماطم المصرية عند السوق المحلية، إذ تدخل في منظومة التصدير والتصنيع الغذائي.
وتأتي الطماطم ضمن قائمة المحاصيل الزراعية المصرية المصدرة، وتتجه الصادرات الطازجة إلى عدد من الأسواق العربية، من بينها السعودية وليبيا والعراق ودول الخليج، إلى جانب أسواق أوروبية مثل هولندا وإيطاليا.
وتشير البيانات المتداولة إلى وصول صادرات الطماطم الطازجة في فترات سابقة إلى نحو 52 ألف طن، بقيمة تراوحت بين 30 و50 مليون دولار سنويًا.
لكن القيمة الأكبر قد تكمن في التصنيع، خاصة الطماطم المجففة والمركزات، إذ يسمح التصنيع بتحويل المحصول سريع التلف إلى منتج ذي فترة صلاحية أطول وقيمة تصديرية أعلى.
ومن هنا، فإن زيادة الطاقة التصنيعية والتوسع في المنتجات ذات القيمة المضافة يمكن أن يفتحا بابًا جديدًا أمام الطماطم المصرية، بدلًا من اقتصارها على بيع المنتج الطازج.
الحرارة تضرب الطماطم.. والمزارع يدفع الثمن
في المقابل، يظل المناخ أحد أكبر التحديات أمام إنتاج الطماطم. فموجات الحرارة الشديدة يمكن أن تؤثر على التزهير والعقد، وتؤدي إلى تساقط الأزهار وانخفاض الإنتاج، وهو ما قد ينعكس على المعروض في الأسواق ومن ثم على الأسعار.
وتزداد خطورة المشكلة مع تكرار موجات الحرارة وارتفاعدرجات الحرارة خلال فترات حساسة من عمر النبات، الأمر الذي يجعل تطوير هجن أكثر تحملًا للحرارة ضرورة وليست رفاهية.
كما يواجه المزارعون ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، من الأسمدة والمبيدات إلى الطاقة والنقل، بينما يمثل الفاقد بعد الحصاد تحديًا آخر، نتيجة تعدد حلقات التداول ووسائل النقل والتعبئة التقليدية.
المعركة الحقيقية تبدأ من «البذرة»
وبين الإنتاج الكبير والتحديات المناخية وارتفاع تكلفة الزراعة، تبدو البذرة نقطة البداية في معركة تطوير الطماطم المصرية.
فإنتاج تقاوي محلية عالية الجودة يعني تقليل الاعتماد على الخارج، وتوفير أصناف مصممة لتلائم البيئة المصرية، ورفع إنتاجية الفدان، وتحسين جودة الثمار، ومساعدة المزارع على مواجهة الحرارة والملوحة والجفاف والأمراض.
وفي حال نجحت الدولة في استكمال منظومة إنتاج التقاوي وربطها بالتوسع في الزراعة الحديثة والتصنيع وتقليل الفاقد، فإن الطماطم يمكن ألا تظل مجرد محصول وفير على الأرض المصرية، وإنما تتحول إلى صناعة زراعية متكاملة تبدأ من الهجين المصري، وتمتد إلى المزرعة، ثم المصنع، وتنتهي في الأسواق المحلية والعالمية.
وهنا تصبح معركة التقاوي ليست مجرد مواجهة مع فاتورة الاستيراد، وإنما خطوة نحو امتلاك مصر أدوات إنتاجها الزراعي، وتحويل نجاح البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية ملموسة للمزارع والدولة والاقتصاد الوطني.