لم تكن تجربة «التنظيم الخاص» داخل جماعة الإخوان الإرهابية مجرد فصل عابر في تاريخ الجماعة، وإنما شكلت واحدة من أبرز المحطات التي كشفت مبكرًا عن إشكالية العلاقة بين العمل السياسي العلني والعمل السري المسلح، فمنذ تأسيس هذا التنظيم في أربعينيات القرن الماضي، ظهرت داخل الجماعة بنية تنظيمية تعمل بعيدا عن العلن، وتتبنى التدريب على استخدام السلاح والعمل الفدائي، قبل أن يرتبط اسمها لاحقًا بعدد من أخطر وقائع العنف السياسي التي شهدتها مصر في تلك الفترة.
وتكمن أهمية دراسة هذه التجربة في أنها لا تتعلق فقط بحصر جرائم ارتكبها أفراد أو خلايا، وإنما بمحاولة فهم كيفية انتقال تنظيم سياسي ودعوي إلى امتلاك ذراع سرية، وكيف تحول العنف من وسيلة هامشية إلى أداة يمكن استخدامها في الصراع السياسي، ثم كيف تعاملت القيادة العلنية للجماعة مع هذا النشاط عندما خرج إلى المجال العام وأصبح من الصعب احتواؤه.
تنظيم سري داخل جماعة تعمل علنًا
ظهر التنظيم الخاص داخل جماعة الإخوان خلال أربعينيات القرن العشرين، وارتبط اسمه بقيادة عبد الرحمن السندي، واتخذ لنفسه هيكلًا سريًا قائمًا على الخلايا، مع اهتمام بالتدريب العسكري وحيازة السلاح وإعداد الأعضاء لتنفيذ مهام لا تنتمي إلى طبيعة النشاط الدعوي أو السياسي العلني.
وهنا تكمن أولى علامات الخطورة، إذ لم يكن الأمر مجرد مجموعة من الأعضاء يمارسون نشاطًا فرديًا، وإنما إنشاء إطار تنظيمي سري داخل جماعة لها قيادة معلنة، بما أوجد منذ البداية ازدواجية بين ما يُعلن للجمهور وما يجري داخل الدوائر المغلقة.
هذه الازدواجية ستصبح لاحقًا محورًا أساسيًا في فهم علاقة الجماعة بالعنف فإذا كانت القيادة تعلن العمل السياسي والدعوي، فما الحاجة إلى تنظيم سري مسلح؟ ومن كان يملك سلطة إصدار التكليفات داخله؟ وإلى أي مدى كانت القيادة المركزية تعرف طبيعة نشاطه؟
قضية السيارة الجيب.. اللحظة التي انكشف فيها المستور
في نوفمبر 1948، جاءت واقعة ضبط سيارة جيب تابعة لأعضاء التنظيم الخاص لتكشف جانبًا مهمًا من نشاطه السري، فقد عُثر داخل السيارة على مستندات وأوراق تنظيمية، إلى جانب أسلحة ومتفجرات، الأمر الذي أدى إلى فتح تحقيقات واسعة واعتقال عدد من أعضاء الجماعة.
ولم تكن أهمية الواقعة في المضبوطات وحدها، وإنما في أنها كشفت للدولة وجود بنية تنظيمية سرية تتجاوز النشاط السياسي المعلن.
وبذلك تحولت «قضية السيارة الجيب» إلى نقطة فاصلة؛ فبعدها لم يعد الحديث عن وجود تنظيم سري داخل الجماعة مجرد معلومات متداولة، وإنما أصبح أمام أجهزة الدولة ملفًا أمنيًا وقضائيًا يتعلق بتنظيم يمتلك أدوات القوة ويعمل بعيدًا عن الرقابة العلنية.
ومن هنا بدأ مسار تصعيدي انتهى بقرار حل جماعة الإخوان في ديسمبر 1948، في ظل أزمة سياسية وأمنية متصاعدة.
من الصراع السياسي إلى الاغتيال
بعد قرار حل الجماعة، دخلت الأزمة مرحلة أكثر خطورة، ففي 28 ديسمبر 1948، اغتيل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا داخل مبنى وزارة الداخلية.
ووفق التحقيقات والروايات التاريخية المتداولة، نفذ الجريمة عبد المجيد أحمد حسن، الذي تنكر في زي ضابط شرطة وتمكن من الاقتراب من النقراشي وإطلاق النار عليه.
حملت هذه الجريمة دلالات كبيرة، إذ مثلت انتقالًا واضحًا من محاولة التأثير على السلطة عبر العمل السياسي والضغط الجماهيري إلى استخدام الاغتيال كوسيلة مباشرة في الصراع على السلطة، وبذلك أصبح السؤال أكبر من هوية منفذ الجريمة كيف وصل تنظيم سري إلى مرحلة امتلاك القدرة والإرادة لتنفيذ اغتيال سياسي يستهدف رئيسًا للحكومة؟
العنف كأداة وليس كواقعة منفردة
وتكشف تجربة التنظيم الخاص أن أخطر ما فيها لم يكن وقوع حادث اغتيال منفرد، وإنما ارتباط العنف ببنية تنظيمية سرية، فالتدريب على استخدام السلاح، وتكوين الخلايا، وحيازة المتفجرات، والاستعداد لتنفيذ عمليات خاصة، كلها مؤشرات على تصور يتعامل مع القوة باعتبارها إحدى أدوات تحقيق الأهداف السياسية.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين العمل السياسي المشروع وبين استخدام العنف لإجبار الدولة أو الخصوم السياسيين على تغيير مواقفهم، فالاغتيال السياسي لا يمثل مجرد جريمة جنائية ضد شخص بعينه، وإنما يحمل رسالة سياسية: إزالة الخصم بالقوة بدلًا من مواجهته بالوسائل السياسية.
وهذا هو جوهر خطورة تجربة التنظيم الخاص؛ لأنها قدمت نموذجًا مبكرًا لتداخل التنظيم السياسي مع العمل السري المسلح.
«ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين».. معضلة التبرؤ من العنف
بعد اغتيال النقراشي، أعلن حسن البنا استنكاره للجريمة وتبرؤه من منفذيها، واشتهر عنه وصف منفذي الاغتيال بأنهم «ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين»، وهو ما جعل مؤسس الجماعة في مواجهة شرسة مع القائمين على التنظيم الخاص.
اغتيال النقراشي.. ثم اغتيال البنا
المفارقة الأكثر دلالة جاءت بعد ذلك بأسابيع قليلة فبعد اغتيال النقراشي، اغتيل حسن البنا نفسه في فبراير 1949 ، وهكذا وجدت مصر خلال فترة قصيرة أمام سلسلة من الاغتيالات السياسي، لتترك هذه المرحلة إرثًا سياسيًا وأمنيًا بالغ الخطورة، ورسخت في الذاكرة المصرية ارتباط التنظيم الخاص بمرحلة من العنف السياسي.
لماذا تظل تجربة التنظيم الخاص مهمة حتى اليوم؟
أهمية هذه التجربة لا تنبع فقط من كونها جزءًا من تاريخ مصر الحديث، وإنما من كونها تقدم نموذجًا واضحًا لكيفية تحول التنظيم السياسي إلى بيئة يمكن أن تنشأ داخلها بنية سرية تستخدم العنف باعتباره وسيلة لتحقيق أهداف سياسية.
فحين تصبح القوة البدنية والسلاح جزءًا من أدوات التنظيم، يصبح الخلاف السياسي قابلًا للتحول إلى صراع وجودي، ويصبح الخصم السياسي هدفًا محتملًا بدلًا من كونه منافسًا يمكن مواجهته عبر المؤسسات.
كما تكشف التجربة خطورة الفصل بين الواجهة السياسية وبين البنية السرية، لأن وجود تنظيم غير معلن يجعل من الصعب تحديد المسؤولية، ويخلق مساحة واسعة للإنكار والتنصل عند وقوع الجرائم.
من «الجهاز السري» إلى إرث العنف السياسي
إن قراءة تاريخ التنظيم الخاص لا ينبغي أن تقتصر على سرد أسماء الضحايا أو تعداد عمليات الاغتيال والتخريب، وإنما يجب أن تتوقف أمام الفكرة التي أنتجت هذه الممارسات وهي استخدام القوة السرية لتحقيق أهداف سياسية عندما تعجز الوسائل العلنية عن تحقيقها أو عندما يُنظر إليها باعتبارها غير كافية.