أحمد إبراهيم الشريف

جوائز الدولة.. نعرف من فاز لكن لماذا فاز؟

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026 01:00 م


نعرف أسماء الفائزين بجوائز الدولة، ونعرف قيمة كل جائزة، ونشاهد القوائم القصيرة قبل التصويت، ثم ننتظر الاجتماع ونترقب النتيجة النهائية، وبعدها تبدأ التهاني والاحتفالات، لكن سؤالًا آخر يظل حاضرًا بعد كل دورة: لماذا فاز هذا الاسم تحديدًا؟

السؤال اكتسب أهمية أكبر بعد أزمة جوائز الدولة لعام 2026، مع تعدد الاعتراضات على بعض الاختيارات، وظهور نقاش واسع حول القوائم القصيرة وشروط التقدم وعمل لجان الفحص، بينما تكشف العودة إلى لائحة الجوائز نفسها أن عملية الاختيار تنتج بالفعل مبررات وتقارير قبل أن تصل الأسماء إلى مرحلة التصويت.

فاللائحة المنشورة على الموقع الرسمي للمجلس الأعلى للثقافة تنص على أن اللجان المختصة تقدم قائمة قصيرة بأسماء من تقترحهم لمنح الجائزة، وأن تكون هذه القائمة "مشفوعة بمبرراتها"، أي أن اللجنة لا تكتفي بوضع اسم في القائمة القصيرة، وإنما يفترض أن يكون لديها سبب مكتوب يشرح لماذا وصل هذا المرشح إلى هذه المرحلة.

 

ومن هنا يأتي السؤال: إذا كانت المبررات موجودة بالفعل، فلماذا لا نعرفها؟

الأمر يبدأ قبل لجنة الفحص نفسها في بعض الجوائز، فالقواعد المنظمة لجائزتي النيل والتقديرية تشترط على الجهة التي ترشح شخصية للجائزة أن تقدم مبررات معتمدة للترشيح، تتضمن تفصيل أسباب اختيارها في حدود صفحة واحدة، وتعد هذه المبررات جزءًا من الأوراق التي لا تكتمل إجراءات الترشيح من دونها.

بعد ذلك تصل الملفات إلى لجان الفحص، وتدرس السير والإنتاج، ثم تنتهي إلى القوائم القصيرة التي تعرض على المجلس الأعلى للثقافة للتصويت.

إذن نحن أمام أكثر من مرحلة تنتج خلالها أسباب مكتوبة: الجهة المرشحة تشرح لماذا رشحت الاسم في النيل والتقديرية، واللجنة تشرح لماذا اختارته للقائمة القصيرة، ثم يصوت أعضاء المجلس بين الأسماء التي وصلت إليهم.

 

ومع كل ذلك، ما الذي يصل إلى الجمهور في النهاية؟

الاسم، والجائزة، والسيرة الذاتية، وعدد الأصوات أحيانًا، والنتيجة النهائية.

 

أما لماذا فاز؟ فهذه هي الحلقة المفقودة

وفي جائزة الدولة التشجيعية تبدو المفارقة أكثر وضوحًا، لأنها جائزة تقوم أساسًا على فحص أعمال محددة، وتضع لجان التحكيم تقاريرها عن هذه الأعمال، ثم ترفع تقاريرها النهائية متضمنة أسماء المستحقين إلى المجلس الأعلى للثقافة لاعتماد النتائج، من دون إجراء تصويت جديد على كل فرع كما يحدث في جوائز النيل والتقديرية والتفوق.

وهناك أيضًا كتاب أو كتيب داخلي يصل إلى أعضاء المجلس في إطار إجراءات الجوائز، وتدخل فيه المعلومات والتقارير والمبررات التي يحتاجها الأعضاء عند النظر في النتائج. وسبق أن شرح الدكتور هشام عزمي، عندما كان أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للثقافة، أن أعضاء المجلس يتلقون قبل التصويت كتيبًا خاصًا يضم السيرة الذاتية وخطاب سبب الترشيح والمعلومات المتعلقة بالمرشحين حتى يتم الاختيار بعد الدراسة.

وفي التشجيعية تكون تقارير الفحص ومبررات منح الجائزة موجودة أصلًا داخل العملية، بل إن حيثيات بعض الجوائز ظهرت في تصريحات للفائزين أو في مواد صحفية خلال سنوات سابقة، ما يؤكد أن اللجنة تنتج نصًا يفسر اختيار العمل.
المشكلة أن هذه المادة تظل داخل الدائرة المغلقة.

الكتاب الذي يصل إلى أعضاء المجلس لا يصل بالطريقة نفسها إلى الصحفيين، وتقارير التحكيم لا تتحول إلى مادة منشورة على موقع المجلس مع إعلان النتائج، وكأن لدينا كتابًا يعرف مبررات الجائزة، لكنه بالنسبة إلى الصحافة والجمهور كتاب سري.

أما في جوائز النيل والتقديرية والتفوق، فالمفارقة أكبر، لأننا نعرف أن مبررات الترشيح موجودة، ونعرف أن القائمة القصيرة نفسها يفترض أن تكون مشفوعة بمبررات، ثم لا نجد عند إعلان النتيجة بيانًا منشورًا لكل فائز يقول لنا ببساطة: لماذا وصل إلى القائمة القصيرة؟ ولماذا استحق الجائزة؟

في 27 يوليو 2026 أعلن المجلس الأعلى للثقافة نتائج جوائز الدولة بعد التصويت على جوائز النيل والتقديرية والتفوق واعتماد نتائج التشجيعية، وكانت القوائم القصيرة قد أُعلنت قبل ذلك بأسابيع كاملة، ومع ذلك، فإن البيانات الرسمية المنشورة عن النتائج قدمت الأسماء والفروع والفائزين، من دون نشر حيثيات تفصيلية لكل فائز تشرح أسباب اختياره أو العناصر التي رجحت استحقاقه للجائزة.

 

وهذه ليست مسألة شكلية

جائزة النيل تعني اعتراف الدولة بمسيرة فكرية أو إبداعية كبيرة وممتدة، وجائزة الدولة التقديرية تحمل قيمة رمزية شديدة الأهمية، وجائزة التفوق تشير إلى إنتاج رأت اللجان والمجلس أنه يمثل درجة واضحة من التميز.

وحين نعرف أسباب الفوز، تتحول الجائزة نفسها إلى فرصة لتعريف المجتمع بصاحبها وبمشروعه وما أضافه، بدل أن تبقى مجرد خبر ينتهي عند عبارة: "فاز فلان".

ولا يحتاج الأمر إلى نشر محاضر الاجتماعات، ولا كشف تصويت أعضاء المجلس، ولا إخراج المناقشات الداخلية إلى العلن.

كل ما نحتاج إليه فقرة قصيرة تجيب عن أسئلة واضحة: ما أهم ما قدمه الفائز؟ وما القيمة التي أضافها إنتاجه؟ وما العناصر التي جعلت اللجنة تضعه في القائمة القصيرة ثم منحته الجائزة؟

الحيثيات هنا تحمي الجائزة ، وتظهر أهميتها أيضًا عندما تقرر اللجنة حجب الجائزة.

في جوائز الدولة التشجيعية لعام 2026 حُجبت أربع جوائز؛ واحدة في الآداب وثلاث في العلوم القانونية والاقتصادية، بينما مُنحت بقية الجوائز، وهو قرار تسمح به قواعد الجائزة عندما لا ترى اللجان في الأعمال المقدمة ما يحقق المستوى المطلوب.

 

هنا يصبح السؤال مهمًا: لماذا حجبت اللجنة الجائزة؟

والإجابة ليست مهمة للصحافة وحدها، بل للمتقدمين أنفسهم، خاصة أن التشجيعية موجهة إلى أجيال أصغر من الباحثين والمبدعين، فحين تشرح اللجنة بصورة عامة أسباب الحجب والمعايير التي لم تتحقق، يصبح قرارها جزءًا من عملية ثقافية تساعد المتقدمين على فهم مستوى الجائزة وطبيعة ما تبحث عنه اللجان.

وقد كشفت أزمة جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية لعام 2026 أهمية وجود هذه الحيثيات منذ اللحظة الأولى.
بعد إعلان فوز الدكتورة منى الحديدي، تحولت المناقشة إلى أسئلة حول ملفها، والإنتاج الذي قدمته، ومدى استيفائه شروط الجائزة، واضطر الدكتور أشرف العزازي، أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، بعد اشتداد الجدل إلى شرح جانب من الملف.

وقال إن منى الحديدي قدمت ستة أعمال، هي كتابان ودراستان وبحثان، وإن لجنة التفوق في العلوم الاجتماعية، المكونة من 11 عضوًا من أساتذة الجامعات والمتخصصين، فحصت الأعمال وأجازتها، ثم انتقل اسمها إلى مرحلة التصويت النهائي، مؤكدًا أنها استوفت الشروط.

بغض النظر عن استمرار الخلاف حول القضية، فإن الواقعة نفسها تقدم لنا الدليل.
هذه المعلومات كان يمكن أن تكون موجودة منذ اليوم الأول.
لو صدر مع إعلان الجائزة بيان يقول إن الفائزة تقدمت بكذا، وإن اللجنة رأت في إنتاجها كذا، وإن عناصر الاستحقاق تمثلت في كذا، لكان أمام المجلس نص رسمي واضح يمكن الرجوع إليه، وأمام الفائز سند مهني معلن، وأمام المعترض مادة محددة يناقشها بدل أن يبدأ الجميع رحلة البحث عن الملف بعد وقوع الأزمة.

وتقوم عملية التصويت في جوائز النيل والتقديرية والتفوق على سرية اختيار عضو المجلس، وهذه السرية يجب أن تبقى كاملة، لأن المطلوب ليس معرفة أن هذا العضو منح صوته لفلان أو حجبه عن آخر، وإنما معرفة لماذا رأت اللجنة أن المرشح يستحق أصلًا الوصول إلى مرحلة الاختيار.
الفارق كبير بين الأمرين.
سرية التصويت تحمي حرية عضو المجلس، ونشر الحيثيات يحمي قيمة الجائزة وسمعتها.
وقد يسأل أحدنا: ولماذا نحتاج إلى كل ذلك؟
لأن الجائزة الثقافية لا تمنح المال والميدالية وحدهما، وإنما تصنع قيمة رمزية، وتقول للمجتمع إن هذا الكاتب أو الفنان أو الباحث قدم ما تراه الدولة جديرًا بالتقدير.
وهذه القيمة تصبح أقوى عندما نعرف لماذا جاء التقدير.
لهذا ربما تكون إحدى أبسط خطوات تطوير منظومة جوائز الدولة هي فتح هذا الباب المغلق، نشر فقرة قصيرة مع كل فائز، وفقرة مع كل قرار حجب، ونشر ملخص المبررات التي أوصلت الأسماء إلى القوائم القصيرة.
لدينا المبررات أصلًا.
ولدينا التقارير أصلًا.
ولدينا في التشجيعية كتاب وتقارير تصل إلى داخل المجلس.
كل ما ينقص هو أن تخرج هذه المعلومات من الغرف المغلقة إلى الناس.
وعندها، بعد إعلان جوائز الدولة، لن يكون السؤال الوحيد: من فاز؟
سيكون لدينا أيضًا جواب عن السؤال الأهم:
لماذا فاز؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة