في زمنٍ مضى، كانت للبيوت حرمة، وللأسرار جدرانٌ تحميها من ألسنة العابرين، وكانت التفاصيل الصغيرة تُصان بحبٍّ وستر.
أما اليوم، فقد انكسرت الأقفال، وتلاشى الحياء على عتبات الخوارزميات، لنجد أنفسنا أمام شاشاتٍ زجاجية باردة، لا تكتفي بامتصاص الضوء من أسرّتنا، بل تمتص العفة من أرواحنا.
لقد تحول الإنسان من صانعٍ للحياة إلى معروضٍ فيها؛ يستيقظ مصحوباً بالكاميرا، ويأكل على إيقاع البث المباشر، ويحزن لكي يحصد المتابعات.
لم يعد التوثيق محاولةً لاستبقاء اللحظة السعيدة، بل صار دافعاً لخلقها، حتى وإن كانت مزيفة.
في هذا السوق المفتوح، تُباع الخلافات الزوجية في مزاد علني، وتُعرض أوجاع الأطفال على طبقٍ من المشاهدات المأجورة، وتصبح الخصوصية السلعة الوحيدة التي يُضحى بها بالمجان، فقط لنيل إعجابٍ خاطف من غريبٍ لا يذكر اسمك فور إغلاق التطبيق.
كيف هان الستر حتى أضحى قيداً يُراد الفكاك منه؟ وكيف بات العاري من الحياء ثرياً بالانتشار؟ إنها دراما سريالية نعيش كواليسها يومياً؛ حيث يُقاس قدر المرء بعدد الأسهم والتعليقات، لا بوزن كلمته أو نبل أخلاقه.
صرنا نرى الخيانة تُغلف تحت مسمى "الصراحة"، والتدخل في أدق تفاصيل الآخرين يُسمى "اهتماماً"، واستباحة الوجوه يُسمى "محتوى".
لقد بعنا الهدوء بالضجيج، واستبدلنا راحة البال بركضٍ مجهد خلف سراب الترند.
والأنكأ من ذلك أن السلعة المعروضة هنا ليست مجرد صور ومقاطع فيديو، بل هي جدران أماننا النفسي ونقاء بيوتنا.
وما لم نستفق من سكرة "اللايك" ونُعد للخصوصية قدسيتها، فسنصحو يومياً لنكتشف أننا أصبحنا جميعاً عراة، على مسرحٍ كبير لم نعد نملك حتى تذاكر الخروج منه.