من الميدان إلى التريند.. هكذا تُدار ماكينة تضليل الإخوان لصناعة الأزمات الوهمية وتزييف الوعي.. لقطات مفبركة وتقارير منقوصة لنشر الأكاذيب وبث الشائعات الاقتصادية وذكاء اصطناعي فى خدمة مخططات الفوضى وضرب الثقة

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026 12:24 م
من الميدان إلى التريند.. هكذا تُدار ماكينة تضليل الإخوان لصناعة الأزمات الوهمية وتزييف الوعي.. لقطات مفبركة وتقارير منقوصة لنشر الأكاذيب وبث الشائعات الاقتصادية وذكاء اصطناعي فى خدمة مخططات الفوضى وضرب الثقة الاخوان الإرهابية

لم تعد معركة جماعة الإخوان الإرهابية مع الدولة المصرية تقتصر على التحركات الميدانية أو محاولات إثارة الاضطرابات على الأرض، وإنما انتقلت بصورة متزايدة إلى الفضاء الرقمي، حيث باتت منصات التواصل الاجتماعي ساحة رئيسية لمحاولات التأثير في وعي المواطنين، وصناعة روايات مفبركة وبديلة للواقع، وإعادة تدوير أحداث قديمة وتقديمها باعتبارها وقائع آنية، إلى جانب توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى زائف يخدم مخططات الفوضى، يصعب على المتلقي العادي اكتشافه.

وتكشف طبيعة المحتوى الذي يجري تداوله عبر الحسابات والصفحات المرتبطة بالجماعة أو المتعاطفة معها عن تحول واضح في مفهوم «العملية الدعائية»، من مجرد نشر الشائعة إلى تصميم أزمة رقمية متكاملة تبدأ بمعلومة كاذبة، ثم يجري دعمها بصورة أو مقطع فيديو، وإعادة نشرها عبر عشرات الحسابات، قبل الدفع بها إلى دوائر أوسع من المستخدمين، بما يمنحها في النهاية مظهر القضية العامة رغم غياب أي أساس حقيقي لها.

الذكاء الاصطناعي.. الشائعة لم تعد نصًا بل «واقعًا مصطنعًا»

أخطر التحولات في هذه المواجهة يتمثل في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق «Deepfake» لإنتاج مواد صوتية ومرئية تبدو في ظاهرها حقيقية.

ومن أبرز أنماط التضليل التي جرى رصدها فبركة مقاطع تزعم انتشار وقائع خطف لفتيات وأطفال في مناطق مختلفة، أو إنتاج تسجيلات صوتية منسوبة إلى مسؤولين ورجال دولة وضباط شرطة، بهدف إسناد تصريحات أو مواقف لم تصدر عن أصحابها.

وتكمن خطورة هذا النمط في أن المواطن لم يعد أمام شائعة مكتوبة يمكن التشكيك فيها بسهولة، وإنما أمام صورة أو صوت أو فيديو مصطنع يقدم له باعتباره دليلًا على الواقعة، وهو ما يرفع من قدرة المحتوى المضلل على الانتشار والتأثير، خصوصًا عندما يتزامن نشره مع أحداث حقيقية أو مخاوف موجودة بالفعل لدى المواطنين.

وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى جزء من بنية الدعاية الرقمية، إذ يمكن استخدامه لتزييف الصوت والصورة، أو تغيير سياق مقطع حقيقي، أو تركيب مشاهد لم تقع أصلًا.

الاقتصاد.. استهداف الثقة قبل استهداف الأرقام

لا تتوقف الحرب الرقمية عند الملفات الأمنية، وإنما تمتد إلى الاقتصاد، باعتباره أحد أكثر المجالات حساسية للرأي العام، ومن بين الأنماط التي جرى تداولها شائعات تزعم القبض على مواطنين يترددون على البنوك عقب حصولهم على تحويلات مالية من الخارج، بما يستهدف بصورة مباشرة ثقة المصريين في الجهاز المصرفي والقنوات الرسمية لتحويل الأموال.

وتتجاوز خطورة هذه النوعية من الشائعات مضمونها المباشر، فالمقصود ليس فقط إقناع شخص بمعلومة غير صحيحة، وإنما دفعه إلى تغيير سلوكه الاقتصادي بناء على الخوف، سواء من خلال تجنب البنوك، أو الاحتفاظ بالأموال خارج القنوات الرسمية، أو التردد في تحويل مدخراته إلى مصر.

والأمر نفسه ينطبق على إعادة نشر مقاطع قديمة مرتبطة بأزمات السلع أو فترات حظر كورونا، مع وضع عناوين حديثة توحي بوجود نقص حالي في المواد الغذائية أو التموينية، وهنا يجري توظيف الذاكرة البصرية للمواطن؛ فالمقطع حقيقي بالفعل، لكن الواقعة التي يُستخدم لإثباتها ليست حقيقية.

«إحياء الماضي» لصناعة اضطراب في الحاضر

ويعد أحد أكثر الأساليب استخدامًا في حملات التضليل الرقمي يتمثل في إعادة تدوير مقاطع الفيديو القديمة وإخراجها من سياقها الزمني، فمشاهد مظاهرات أو تجمعات تعود إلى سنوات سابقة يمكن إعادة نشرها باعتبارها أحداثًا تقع في الوقت الراهن، بينما تؤدي الحسابات الوهمية دورًا مهمًا في منح هذه المواد زخمًا إضافيًا من خلال التعليقات والمشاركات وإعادة النشر، وتصبح النتيجة خلق فجوة بين ما يراه المواطن على هاتفه وما يحدث بالفعل على الأرض.

وتتكرر الآلية نفسها في الملفات المتعلقة بالأمن ومراكز الإصلاح والتأهيل، من خلال إعادة نشر صور أو مقاطع قديمة أو من دول أخرى، وإرفاقها بادعاءات جديدة بهدف تكوين انطباع سلبي عن الأوضاع الراهنة.

من «الشائعة» إلى «هندسة التريند»

الجانب الأكثر تعقيدًا في هذه الظاهرة هو أن التأثير لا يعتمد فقط على محتوى الشائعة، وإنما على الطريقة التي يجري بها توزيعها، وتشير البيانات المتداولة في هذا السياق إلى أن الشائعات الاقتصادية تمثل نحو 20.3% من إجمالي الشائعات محل الرصد، بينما تصل شائعات التعليم والخدمات إلى نحو 11.4%، في حين تمثل الشائعات الصحية والجنائية نحو 11%.

وتكشف هذه النسب أن الاستهداف لا يسير بصورة عشوائية، وإنما يتحرك داخل قطاعات شديدة التأثير في حياة المواطن اليومية: الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والأمن والخدمات.

كما أن وجود شبكات كبيرة من الحسابات الوهمية أو مجهولة الهوية يمكن أن يخلق ما يشبه «الجمهور المصطنع»، بحيث يبدو المحتوى وكأنه يحظى بتأييد شعبي واسع، بينما يكون جزء من هذا التفاعل ناتجًا عن حسابات تعمل بصورة منسقة.

وهنا تظهر خطورة «هندسة التريند»: ليس الهدف فقط أن تنتشر المعلومة الكاذبة، وإنما أن تبدو وكأنها الرأي العام نفسه.

لماذا أصبحت «معركة الوعي» أكثر تعقيدًا؟

المشكلة الأساسية في هذا النوع من الحرب، يتجسد في سرعة انتشارها مقارنة بسرعة اكتشافها والرد عليها، فالمعلومة الكاذبة يمكن أن تنتقل خلال دقائق بين آلاف الحسابات، بينما يحتاج التحقق منها وإصدار بيان رسمي بشأنها إلى وقت أطول، وفي هذه المساحة الزمنية تتكون الانطباعات، وتنتشر المخاوف، وقد يتخذ بعض المواطنين قرارات بناء على معلومات غير صحيحة قبل ظهور الحقيقة.

ومن هنا، فإن مواجهة التضليل الرقمي لا يمكن اختزالها في نفي الشائعات بعد انتشارها، وإنما تحتاج إلى منظومة استباقية لإدارة المعلومات والأزمات، تعتمد على الرصد المبكر، وسرعة التحقق، وإتاحة المعلومات الرسمية بصورة واضحة وقابلة للمشاركة، إلى جانب رفع مستوى الوعي الرقمي لدى المواطنين.

الخطر الحقيقي.. عندما تصبح الشائعة «أزمة»

والتحول الأهم في نشاط اللجان الإلكترونية يتمثل في الانتقال من محاولة تشويه صورة الدولة إلى محاولة التأثير في سلوك المجتمع، فالشائعة المتعلقة بالبنوك تستهدف السلوك المالي، والشائعة المتعلقة بالسلع تستهدف سلوك المستهلك، والشائعة الأمنية تستهدف الشعور بالأمان، والشائعة الصحية قد تؤثر في قرارات العلاج، بينما تستهدف الشائعات المتعلقة بالتعليم ثقة الأسر والطلاب في المؤسسات التعليمية.

وبذلك تصبح الشائعة نفسها أداة لإنتاج آثار واقعية، حتى لو كان أصلها افتراضيًا، وهذه هي المعادلة الأخطر في الحرب الرقمية، لذلك فإن معركة الدولة لم تعد فقط مع من يصنع المحتوى المضلل، وإنما مع البيئة الرقمية التي تسمح له بالانتشار، ومع قابلية الجمهور لتصديقه، ومع سرعة انتقاله من شاشة الهاتف إلى سلوك فعلي في الشارع والسوق والمنزل.

ومن ثم، فإن مواجهة ما يمكن وصفه بـ«الإرهاب المعلوماتي» تتطلب بناء منظومة وطنية متكاملة لحماية المجال الرقمي، تجمع بين الرصد الفني، والتحقق السريع، والتواصل الرسمي الفعال، وتطبيق القانون، ورفع الوعي المجتمعي، وهو ما تقوم به الدولة المصرية منذ سنوات.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة