هناك اعتقاد خاطئ يسيطر على كثير من الناس وهو أن الشخص الطيب يجب أن يتحمل الجميع وأن يصبر بلا حدود وأن يمنح الفرصة تلو الأخرى حتى لو كان الثمن راحته النفسية لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
فليس كل من دخل حياتنا يستحق أن يبقى فيها بالمكانة نفسها وليس كل علاقة يجب أن تستمر مهما كان حجم الألم الذي تسببه.
في حياتنا نلتقي بأشخاص يضيفون إلى أرواحنا شيئًا جميلًا، ونلتقي بآخرين لا يتركون خلفهم إلا الإرهاق أشخاص يتفننون في تعذيب من حولهم نفسيًا ليس بالصراخ أو العنف وإنما بالتجاهل والتقليل من القيمة والتشكيك في القدرات والتلاعب بالمشاعر وإشعارك الدائم بأنك المخطئ حتى عندما تكون الضحية.
قد تجد هذا الشخص في علاقة عاطفية فيجعلك تعيش على جرعات متقطعة من الاهتمام ويتركك دائمًا بين الأمل والخذلان وقد تجده في دائرة الأصدقاء فلا يقترب منك إلا عندما يحتاج إليك، ويغيب عندما تحتاج أنت إليه وربما يكون قريبًا أو فردًا من العائلة، يستهين بأحلامك، ويقلل من نجاحك، ويعتبر كسر خاطرك أمرًا عاديًا لا يستحق الاعتذار.
ومع مرور الوقت لا يسرق هؤلاء الأشخاص وقتك فقط بل يسرقون ثقتك بنفسك وهدوءك وشغفك وقدرتك على الاستمتاع بالحياة والأسوأ من ذلك أنك قد تعتاد هذا الألم فتظنه جزءًا طبيعيًا من العلاقات.
لكن الحقيقة أن الإنسان خُلق مكرمًا ومن أبسط معاني الكرامة الإنسانية أن يعيش في بيئة تحترم مشاعره وتصون إنسانيته ولا تجعل الإهانة أو الاستنزاف النفسي أسلوبًا للتعامل.
ولهذا فإن الحديث عن حقوق الإنسان لا يقتصر على القوانين والمحاكم والاتفاقيات الدولية بل يبدأ من تفاصيل حياتنا اليومية يبدأ من احترام الإنسان داخل أسرته، وبين أصدقائه وفي علاقاته المختلفة فالكرامة ليست شعارًا يُرفع وإنما شعور يجب أن يعيشه كل إنسان.
ومن حق كل إنسان أن يقول: "هذا الأسلوب يؤذيني." ومن حقه أيضًا أن يضع حدودًا لكل من يتجاوزها فالحدود ليست قسوة وإنما حماية للنفس والابتعاد عن مصادر الأذى ليس أنانية بل ممارسة طبيعية لحق الإنسان في أن يعيش حياة أكثر هدوءًا واتزانًا.
ولعل أكثر ما نحتاج إليه اليوم هو أن نتوقف عن تمجيد الصبر في غير موضعه فليس كل صبر فضيلة وليس كل استمرار بطولة أحيانًا تكون الحكمة في أن تعرف متى تبتعد، ومتى تحافظ على نفسك قبل أن تخسرها.
وهنا لا أدعو إلى القطيعة ولا إلى رد الإساءة بالإساءة فالقيم لا تُبنى على الانتقام لكنني أدعو إلى أن نعيد كل شخص إلى المكان الذي يستحقه في حياتنا فمن احترمنا، اقتربنا منه أكثر، ومن استهان بمشاعرنا، تعاملنا معه بقدر ما يفرضه الواجب أو الظروف، دون أن نسمح له مرة أخرى بالعبث براحتنا النفسية.
فالابتعاد لا يعني دائمًا نهاية العلاقة بل قد يعني نهاية قدرتها على إيذائنا وقد نستمر في التعامل مع بعض الأشخاص لكن بعقول أكثر نضجًا، وحدود أكثر وضوحًا وتوقعات أكثر واقعية.
لا تقاس قوة الإنسان بقدرته على تحمل الأذى بل بقدرته على حماية كرامته دون أن يفقد أخلاقه فالحياة لا تمنحنا فرصة لاختيار كل من نقابلهم لكنها تمنحنا الحق الكامل في أن نختار من يستحق أن يكون قريبًا من أرواحنا.
ومن أهم حقوق الإنسان أن يعيش الإنسان بكرامة لا أن يقضي عمره ضحية لأذى الآخرين أو سجينًا لعلاقات تستنزف إنسانيته.