تتسع رقعة المواجهات في السودان من إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد إلى دارفور في أقصى الغرب، في وقت تتجه فيه المعارك إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها السيطرة على المدن مع قطع طرق الإمداد ومنع وصول التعزيزات إلى مناطق العمليات.
وفي أحدث التطورات الميدانية، أعلن تحالف "الدعم السريع"، الثلاثاء 11 أغسطس 2026، سيطرة قواته على مدينة قيسان الاستراتيجية في إقليم النيل الأزرق، عقب معارك مع الجيش السوداني، بينما تمسكت مصادر عسكرية وحكومة المحافظة برواية مغايرة، مؤكدة استمرار القتال داخل المدينة وعدم سقوط حامية الجيش.
وبالتزامن مع معركة قيسان، نفذ سلاح الجو التابع للجيش السوداني ضربة استهدفت رتلًا عسكريًا لميليشيا الدعم السريع في محيط مدينة كبكابية بولاية شمال دارفور، في عملية قالت مصادر عسكرية إنها تستهدف تعطيل خطوط الإمداد ومنع وصول تعزيزات جديدة إلى مواقع الميليشيا.
وتكشف التطورات المتزامنة عن اتساع نطاق العمليات العسكرية، وعن انتقال المعركة بصورة متزايدة إلى محاولة التحكم في طرق الحركة والإمداد، سواء في النيل الأزرق المتاخم لإثيوبيا أو في دارفور، حيث تمثل طرق الإمداد شريانًا أساسيًا لاستمرار العمليات العسكرية.
قيسان.. معركة السيطرة بين روايتين متناقضتين
أعلن تحالف "تأسيس" المزعوم، أن قواته تمكنت من بسط سيطرتها الكاملة على مدينة قيسان، الواقعة في إقليم النيل الأزرق على بعد نحو 170 إلى 178 كيلومترًا جنوب شرق الدمازين، عاصمة الإقليم.
وقال التحالف المحسوب على ميليشيا الدعم السريع في بيان إن قواته تمكنت من السيطرة على المواقع العسكرية الموجودة داخل المدينة، مشيرًا إلى إلحاق خسائر بشرية ومادية بالقوات الحكومية.
وأضاف أن قواته تحفظت على كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات العسكرية، موضحًا أن عمليات الحصر والتوثيق لما تم الاستيلاء عليه لا تزال مستمرة.
لكن هذه الرواية لم تتطابق مع ما نقلته مصادر عسكرية عن الوضع داخل المدينة، ما جعل السيطرة على قيسان محل تضارب بين الأطراف المتحاربة.
فبحسب مصدر عسكري نقلت عنه "ألترا سودان"، شنت ميليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جوزيف توكا هجومًا عنيفًا على قيسان صباح الثلاثاء، واستمرت المعارك بين القوات المهاجمة والجيش السوداني في عدد من محاور المدينة.
وأكد المصدر أن حامية الجيش في قيسان لم تسقط في يد القوات المهاجمة، في رواية تتعارض بصورة مباشرة مع إعلان تحالف "تأسيس" السيطرة الكاملة على المدينة.
حكومة قيسان: الهجوم يستهدف رئاسة المحافظة
من جانبها، قالت حكومة محافظة قيسان إن تحالفًا يضم ميليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال شن هجومًا عنيفًا على رئاسة المحافظة، مؤكدة أن الجيش والقوات المساندة له لا تزال تقاتل في محاور قيسان.
وأدانت حكومة المحافظة الهجوم، واصفة إياه بـ"الاعتداء الغاشم"، واتهمت القوات المهاجمة باستهداف المدنيين والمزارعين في توقيت يتزامن مع الموسم الزراعي.
وقالت الحكومة إن الهجوم أدى إلى ترويع السكان وتشريد المدنيين والإضرار بالمحاصيل، معتبرة أن استهداف المزارعين خلال موسم الزراعة يمثل، بحسب توصيفها، "جريمة حرب مكتملة الأركان".
وتعكس هذه الرواية أهمية البعد المدني في معركة قيسان، إذ تأتي المواجهات في منطقة يعتمد جزء كبير من سكانها على النشاط الزراعي، ما يجعل استمرار القتال تهديدًا للأمن الغذائي للسكان المحليين، فضلًا عن تعريض المدنيين لخطر النزوح.
سوق قيسان في قلب المعركة
وبالتزامن مع المعارك، أفادت منصات إعلامية محلية بوصول عناصر من ميليشيا الدعم السريع إلى السوق الرئيسي في قيسان.
وقالت تلك المنصات إن العناصر نفذوا عمليات نهب واسعة داخل السوق وأطلقوا النار على مواطنين.
وكان إعلام محافظة قيسان قد وصف القوات المهاجمة، في بيان، بأنها "مليشيا التمرد المنهارة" وقوات "جوزيف"، في إشارة إلى القوات المتحالفة مع الحركة الشعبية-شمال بقيادة جوزيف توكا، وفق ما نقلته "سودان تربيون".
لماذا تكتسب قيسان أهمية عسكرية؟
لا تنبع أهمية قيسان من موقعها الحدودي فقط، وإنما من موقعها داخل شبكة جغرافية وعسكرية تربط عددًا من محليات النيل الأزرق.
وتقع المدينة على بعد نحو 178 كيلومترًا من الدمازين، وتحدها من الشرق محليتا الرصيرص وود الماحي، ومن الغرب محليتا باو والكرمك، ما يمنحها أهمية في التحركات العسكرية داخل الإقليم.
كما أن قيسان والكرمك تحملان إرثًا طويلًا من الصراع المسلح، إذ كانتا من أبرز مسارح القتال بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية قبل توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005.
ومع اندلاع الحرب الحالية، عاد الإقليم إلى واجهة العمليات العسكرية، بعدما دخلت ميليشيا الدعم السريع في تحالف مع الحركة الشعبية-شمال، لتشكيل جبهة جديدة في جنوب شرقي السودان.
الجيش السوداني يحاول تثبيت مكاسبه
ويأتي الهجوم على قيسان بعد تحول ميداني مهم في النيل الأزرق، عندما أعلن الجيش السوداني في يونيو الماضي استعادة السيطرة على مدينة الكرمك من قوات ميليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال.
وكانت السيطرة على الكرمك قد شكلت إحدى أبرز المكاسب العسكرية للجيش في الإقليم، قبل أن يعود القتال إلى الواجهة في قيسان.
ويشير تجدد المواجهات إلى أن استعادة مدينة أو منطقة لا تعني بالضرورة انتهاء العمليات في الإقليم، خصوصًا في ظل قدرة الأطراف المتحاربة على إعادة الانتشار وفتح محاور جديدة للهجوم.
وبالتالي، فإن معركة قيسان لا تبدو معزولة عن المسار العسكري الأوسع في النيل الأزرق، بل تأتي ضمن صراع على تثبيت مواقع النفوذ وطرق الحركة والممرات الحدودية.
من النيل الأزرق إلى شمال دارفور.. معركة أخرى على الإمداد
وفي الطرف الآخر من السودان، اتجه الجيش إلى استخدام القوة الجوية لاستهداف تحركات ميليشيا الدعم السريع في شمال دارفور.
واستهدف سلاح الجو التابع للجيش السوداني رتلًا عسكريًا للميليشيا في محيط مدينة كبكابية، في ضربة قالت مصادر عسكرية إنها جاءت ضمن تحركات تستهدف قطع خطوط الإمداد ومنع وصول تعزيزات جديدة إلى مناطق انتشار الميليشيا.
وبحسب مصادر عسكرية، نفذت طائرة مسيّرة الضربة، واستهدفت الرتل أثناء وجوده في محيط كبكابية، فيما أشارت المعلومات الأولية إلى مقتل قائد المجموعة وعدد من العناصر الذين كانوا برفقته، وفق ما نشرته "المشهد السوداني".
ولم تتوافر تفاصيل إضافية بشأن حجم الخسائر أو عدد المركبات التي كان يضمها الرتل، كما لم تتضح بصورة مستقلة طبيعة المهمة التي كان ينفذها أو وجهته النهائية.
قطع الإمداد.. سلاح الجيش في مواجهة تحركات الدعم السريع
ويكشف استهداف رتل كبكابية عن أهمية متزايدة لمعركة الإمداد في الحرب السودانية.
فمع استمرار العمليات على جبهات متعددة، أصبحت القدرة على نقل المقاتلين والأسلحة والذخائر والمعدات عاملًا حاسمًا في الحفاظ على المواقع العسكرية وتعزيزها.
ومن هنا يركز الجيش على استهداف مسارات الإمداد والتحركات العسكرية قبل وصولها إلى مناطق القتال، في محاولة لإضعاف قدرة ميليشيا الدعم السريع على الدفع بتعزيزات جديدة.وفي المقابل، تمثل الطرق الصحراوية والمحاور الممتدة بين مناطق دارفور ممرات أساسية لتحركات الميليشيا، ما يجعلها هدفًا متكررًا للضربات الجوية.
كبكابية.. جبهة ذات أهمية في شمال دارفور
وتأتي الضربة قرب كبكابية في وقت تشهد فيه شمال دارفور تحركات عسكرية متواصلة، بينما تحاول الأطراف المتحاربة الحفاظ على مواقعها وإعادة توزيع قواتها وفق تطورات المعارك.
وتزداد أهمية المنطقة بسبب ارتباطها بشبكة طرق تربط مناطق مختلفة من دارفور، الأمر الذي يجعل السيطرة على طرق الحركة والإمداد جزءًا أساسيًا من الحسابات العسكرية.
النيل الأزرق ودارفور.. اتساع خريطة الحرب
ويأتي التصعيد في قيسان وكبكابية بينما تواصل الحرب السودانية إعادة تشكيل خريطة القتال، مع انتقال الثقل العسكري بين مناطق مختلفة بحسب قدرة الأطراف على تحريك القوات والحصول على الإمدادات.
ففي النيل الأزرق، يضيف تحالف ميليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال بعدًا جديدًا للصراع، خصوصًا مع قرب المنطقة من الحدود الإثيوبية.
وفي دارفور، تظل خطوط الإمداد عاملًا رئيسيًا في استمرار العمليات العسكرية، ما يدفع الجيش إلى تكثيف الضربات الجوية ضد الأرتال والتحركات.