صلاح الجنيدي

العقل.. الثروة التي لم نستثمرها بعد

الإثنين، 10 أغسطس 2026 08:20 م


 العقل.. الثروة التي لم نستثمرها بعد..
"نحو مشروع استراتيجي لبناء العقل"

》ماذا لو كانت أعظم ثروة تمتلكها أمة ليست تحت الأرض... وإنما داخل الإنسان؟
》ماذا لو كان بين أطفالنا اليوم عقلٌ يحمل فكرةً يمكن أن تغيّر صناعة، أو يبتكر علاجًا، أو يصنع اختراعًا، أو يفتح بابًا لم نره بعد؟
》وماذا لو كان أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه أن نعلّم هذا العقل كيف يحفظ الإجابة، قبل أن نعلّمه كيف يصنع السؤال؟
□□  هنا تبدأ القضية.
فالثروات تُستخرج من الأرض، والمصانع تُبنى بالمال، والتكنولوجيا تُشترى أو تُستورد...
=  لكن العقل هو الذي يكتشف الثروة، ويصنع المصنع، ويبتكر التكنولوجيا، ويخلق ما لم يكن موجودًا.
ولهذا فإن أعظم ثروة يمكن أن تمتلكها أمة ليست ما تحت أرضها، بل ما في عقول أبنائها.
▪️︎ العقل ليس مخزنًا للمعلومات.
▪️︎ العقل مصنع الأفكار.
▪️︎ المعلومة تدخل إليه، فيحللها، ويربط بينها وبين غيرها، ويسأل، ويتخيل، ويشك، ويستنتج، ثم قد يخرج منها بشيء لم يكن موجودًا من قبل.
》وهنا يبدأ الإبداع.
التفكير يفتح الطريق،
والخيال يرى ما وراءه،
والإبداع يولّد الجديد،
والابتكار يحوّل الجديد إلى واقع،
ثم تأتي الحضارة.
- ولذلك فإن عظمة أينشتاين لم تكن في كثرة ما عرف فقط، وإنما في الطريقة التي رأى بها ما لم يره الآخرون.
- وعمرو بن العاص لم يكن مجرد قائد شجاع، بل عقلًا يعرف كيف يقرأ الإنسان واللحظة والاحتمالات.
- ومحمد علي لم يرَ مصر كما كانت فقط، وإنما رأى شيئًا مما يمكن أن تصبح عليه.
- والسادات، في لحظات تاريخية شديدة التعقيد، استطاع أن يرى منفذًا حيث رأى آخرون جدارًا.
▪️︎▪️︎ وفي الشعر والموسيقى والفن والإدارة والقيادة والاختراع...
تتكرر القاعدة نفسها:
العظمة ليست دائمًا في أن تعرف أكثر... وإنما في أن ترى أبعد.
》 وليس مصادفة أن نجد في كتاب الله القرآن دعوات متكررة إلى التعقل والتفكر والتدبر والاعتبار، وأن نجد وصفًا لأصحاب العقول بـ «أولي الألباب».
وكأن الرسالة العميقة ليست أن يمتلئ الرأس بالمعلومات فقط، وإنما أن يستيقظ العقل لما وراء المعلومات.
أن يعرف، ثم يفكر فيما عرف.
أن يرى، ثم يتبصر.
أن يسأل.
أن يقارن.
أن يستنتج.
أن يصل إلى ما لم يكن ظاهرًا من قبل.
وهنا تحديدًا يبدأ الإبداع.
لكن هل نحن نبني هذه العقول فعلًا؟

▪️︎▪️︎ نحن نعلّم الطفل كيف يحفظ.
ثم نسأله عما حفظ.
ثم نعطيه درجة على مدى قدرته على استعادة الإجابة التي أعطيناها له.
لكن هل نسأله:
كيف فكرت؟
لماذا؟
هل هناك حل آخر؟
ماذا لو كان ما نعتقده صحيحًا يحتاج إلى إعادة نظر؟
هل نمنحه الحق في أن يخطئ ويجرب؟
هل نكافئ السؤال الجديد كما نكافئ الإجابة الصحيحة؟
قد يكون الطفل الذي يكثر من السؤال لا يزعجنا...
بل يبني عقله.
وقد يكون الطفل الذي يقدم فكرة غريبة لا يخطئ...
بل يرى ما لم نره.
وقد يكون أخطر ما نفعله بعقل ناشئ أن نعلمه الخوف من الخطأ، والخوف من الاختلاف، والخوف من السؤال.
》 وربما لا تكون مشكلتنا أننا لا نملك عقولًا عظيمة؛ بل أننا لا نعرف كيف نكتشفها، وكيف نطلقها، وكيف نحميها من أن تصبح عادية.
》 ومن هنا أرى أن القضية أكبر من إصلاح منهج أو تطوير مدرسة.
□□ إننا بحاجة إلى مشروع استراتيجي لبناء العقل.
مشروع وطني طويل المدى يبدأ منذ الطفولة:
يكتشف القدرات مبكرًا.
ينمي التفكير النقدي والتحليلي.
يطلق الخيال.
يشجع التجربة.
يحتضن الخطأ بوصفه طريقًا للتعلم.
يفتح أبواب الإبداع والابتكار.
ويكتشف أن العقول ليست قالبًا واحدًا.
فهذا عقل علمي.
وهذا عقل فني.
وهذا عقل أدبي.
وهذا عقل استراتيجي.
وهذا عقل قيادي.
وهذا عقل يفهم البشر.
وهذا عقل يرى الجمال.
وهذا عقل لا يهدأ حتى يجد حلًا لمشكلة عجز الآخرون عن حلها.
ليس المطلوب أن نصنع مليون أينشتاين؛ بل أن نكتشف أينشتاين الذي يمكن أن يكون مختبئًا في كل موهبة.
إننا ننفق على الطرق والموانئ والمصانع والطاقة والتكنولوجيا، وكل ذلك ضروري.
لكن من سيبني الطريق القادم؟
ومن سيخترع التكنولوجيا القادمة؟
ومن سيجد حل المشكلة التي لم نعرفها بعد؟
العقل.
ولهذا فإن الاستثمار في العقل ليس مشروعًا تعليميًا فقط.
إنه مشروع اقتصادي، وعلمي، وثقافي، وتنموي، وحضاري.
فالمصنع قد يتقادم.
والتكنولوجيا قد تصبح قديمة.
والثروة قد تنضب.
أما العقل الذي تعلم كيف يتعلم، وكيف يسأل، وكيف يفكر، وكيف يبدع، وكيف يبتكر...
فهو ثروة تستطيع أن تنتج ثروات لا تنتهي.
ولهذا ربما آن الأوان أن نغيّر السؤال.
لا نسأل فقط:
ماذا نريد أن نعلّم أبناءنا؟
بل نسأل:
أي عقول نريد أن نبني؟
كيف نكتشفها؟
كيف ننميها؟
كيف نحررها من الخوف؟
كيف نمنحها الحق في السؤال والاختلاف والتجربة؟
كيف نحول خيالها إلى إبداع، وإبداعها إلى ابتكار، وابتكارها إلى علم واقتصاد ونهضة؟
هذه ليست قضية تعليم فقط.
هذه قضية مستقبل.
لأن الأمم قد تتشابه في مواردها، لكنها لا تتشابه في قدرتها على تحويل تلك الموارد إلى تقدم.
وربما تكون أعظم خسارة لأمة ليست في ثروة فقدتها...
بل في عقل عظيم لم تكتشفه.
كم موهبة أطفأها الخوف من الخطأ؟
كم فكرة ماتت لأنها قوبلت مبكرًا بكلمة:
«مستحيل»؟
كم عقلًا مختلفًا أُجبر على أن يصبح نسخة من الآخرين؟
لذلك ربما تكون مهمتنا الحضارية الأولى:
ألا نطفئ النور قبل أن نعرف أنه نور.
فحين نبني طريقًا، نبني طريقًا.
وحين نبني مصنعًا، نبني مصنعًا.
لكن حين نبني عقلًا...
فإننا نبني الإنسان الذي يستطيع أن يبني الطريق والمصنع، وما لم نفكر فيه بعد.
ومن هنا...
》 إذا أردنا نهضة لا تنتهي بانتهاء مشروع، ولا تتوقف بتغير الظروف، فعلينا أن نستثمر في المصدر الذي يستطيع أن يعيد إنتاج كل شيء:
العقل.
فالمستقبل لا تصنعه كثرة ما نملك...
إنما تصنعه قدرة عقولنا على أن ترى ما لم نملكه بعد، وأن تتخيل ما لم يوجد بعد، ثم أن تمتلك الشجاعة والإبداع والابتكار لتصنعه.
ذلك، في رأيي، هو مشروع المستقبل الحقيقي.
.              صلاح الجنيدى  ،،

رئيس مجلس إدارة هيئة الأوقاف المصرية الأسبق

مدير عام المشروعات والتصميمات بوزارة الأوقاف المصرية سابقًا

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة