في لحظة يمر فيها العالم بتحولات متسارعة، وتتصاعد فيها النزاعات المسلحة، وتتزايد خطابات الكراهية والانقسام، لم يعد الحديث عن الحوار بين أتباع الأديان ترفًا فكريًا أو نشاطًا أكاديميًا محدود الأثر، بل أصبح ضرورة إنسانية وسياسية ومجتمعية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بمستقبل الاستقرار داخل الدول وبين الشعوب. ومن هذا المنطلق، جاءت استضافة القاهرة للمؤتمر الدولي لشبكة مراكز العلاقات المسيحية الإسلامية تحت عنوان «مستقبل العلاقات المسيحية الإسلامية: الآفاق والتحديات»، ليؤكد أن مصر لا تزال تمتلك القدرة على جمع القيادات الدينية والفكرية حول رؤية واحدة، عنوانها أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى صراع، وأن الإيمان الحقيقي لا يكتمل إلا باحترام الإنسان، وأن السلام يبدأ من الحوار، لكنه لا ينتهي عند الكلمات، بل يتحول إلى سلوك وثقافة ومؤسسات ومبادرات قادرة على مواجهة خطاب الكراهية وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا.
ولم تكن كلمات ممثلي الأزهر الشريف، ودار الإفتاء، ووزارة الأوقاف، والكنائس المصرية، مجرد خطابات افتتاحية، وإنما بدت كأنها حلقات متصلة في رؤية واحدة، استحضرت التاريخ، واستندت إلى النصوص الدينية، وانطلقت نحو المستقبل، لتقدم نموذجًا متكاملًا للحوار القائم على العدالة والاحترام والتعاون في خدمة الإنسان، بعيدًا عن أي محاولة لفرض المعتقد أو إلغاء الآخر.
الحوار الحقيقي يبدأ عندما يتحول احترام الآخر إلى أسلوب حياة
لعل الرسالة الأبرز التي تكررت في كلمات المشاركين تمثلت في أن الحوار لا يمكن أن يحقق أهدافه إذا اقتصر على تبادل الكلمات داخل قاعات المؤتمرات، وإنما يصبح مؤثرًا عندما ينعكس على سلوك الإنسان في حياته اليومية، وهو ما أكده المطران الدكتور سامي فوزي شحاتة، رئيس أساقفة إقليم الإسكندرية للكنيسة الأسقفية، عندما طرح سؤالًا بدا بسيطًا في ظاهره لكنه يحمل أبعادًا عميقة: كيف نحترم عقيدة الآخر؟
الإجابة لم تأتِ في صورة تنظير فلسفي، وإنما من خلال تجربة إنسانية مباشرة، حين أوضح أنه كمسيحي مصري يتوجه إلى جاره المسلم لأن إيمانه يدعوه إلى ذلك، وأن الجميع يتشاركون الطريق والرزق والوطن، ويعيشون فوق أرض واحدة سيعودون إليها جميعًا يومًا ما. ومن هنا تصبح العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان أسبق من أي خلاف فكري، ويصبح احترام حرية الاعتقاد جزءًا من احترام الكرامة الإنسانية.
وفي هذا السياق، شدد المطران سامي فوزي على أن الاحترام لا يعني الاتفاق، وهي رسالة تحمل أهمية خاصة في ظل ما يشهده العالم من محاولات لربط قبول الآخر بتغيير أفكاره أو معتقداته. فالاحترام الحقيقي، كما أوضح، هو الاعتراف بحق الآخر في أن يؤمن بما يراه، دون أن يكون ذلك شرطًا للتعامل معه بمحبة أو تعاون أو تقدير.
ومن هذا المنطلق، انتقل الحديث إلى دور المؤسسات المتخصصة في الحوار، مؤكدًا أن اللقاءات والمؤتمرات مهما كانت أهميتها تظل محدودة بزمنها، بينما تبقى المراكز العلمية والبحثية قادرة على تحويل الأفكار إلى برامج مستدامة، ونشر ثقافة الاحترام، وتبادل الخبرات، وصناعة أجيال تؤمن بأن الاختلاف ليس خطرًا، وإنما مصدر ثراء للمجتمعات.
وتقاطع هذا الطرح مع رؤية الأنبا إرميا، رئيس المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، الذي أعاد التأكيد على أن الاختلاف ظاهرة طبيعية صاحبت الإنسان منذ بداية التاريخ، وأن المشكلة لا تكمن في وجود الاختلاف، وإنما في الطريقة التي يتعامل بها البشر معه.
وأشار إلى أن المثل الشعبي الشهير «الاختلاف لا يفسد للود قضية» لم يعد حاضرًا في كثير من المجتمعات، رغم أنه يلخص فلسفة التعايش، مستشهدًا أيضًا بقول الإمام الشافعي: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، باعتبارها قاعدة ذهبية لقبول الرأي الآخر، والإقرار بأن الحقيقة لا يحتكرها إنسان بمفرده.
ورأى الأنبا إرميا أن مصر قدمت عبر تاريخها نموذجًا فريدًا في استيعاب التنوع الحضاري والديني والثقافي، حيث تعاقبت على أرضها حضارات متعددة، لكنها لم تلغِ بعضها البعض، بل أسهمت في تكوين شخصية مصرية قادرة على استيعاب التنوع وتحويله إلى عنصر قوة.
ولذلك، لم يكن غريبًا أن يدعو إلى تربية الأجيال الجديدة على ثقافة الاستماع قبل الحديث، موضحًا أن أغلب الأزمات تنشأ لأن الناس يتحدثون أكثر مما يستمعون، بينما الحوار الحقيقي يبدأ عندما يمنح الإنسان مساحة للآخر كي يعبر عن نفسه بحرية، دون أحكام مسبقة أو رغبة في السيطرة.
من النجاشي إلى عمرو بن العاص.. عندما يتحول التاريخ إلى دليل عملي على قيمة العدل
ولأن الحوار لا يكتمل دون الاستناد إلى شواهد تاريخية، استحضرت كلمات المتحدثين عددًا من النماذج التي تؤكد أن العلاقات الإسلامية المسيحية لم تُبنَ عبر القرون على الصراع، وإنما على مواقف إنسانية جسدت قيم العدل والرحمة.
فقد أعاد الشيخ أحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، التذكير بواحدة من أهم المحطات في التاريخ الإسلامي، وهي هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة، عندما قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن النجاشي: «إن بها ملكًا عادلًا لا يُظلم عنده أحد».
ورأى أن هذه الواقعة تؤكد أن العدالة سبقت الانتماء الديني، وأن النبي اختار للمسلمين بلدًا يحكمه ملك مسيحي لأنه عرف عنه الإنصاف، وهو ما يعكس أن قيمة العدل في الإسلام تعلو على كل الاعتبارات الأخرى.
وأضاف أن النجاشي لم يخلده التاريخ لأنه امتلك جيشًا قويًا أو نفوذًا واسعًا، وإنما لأنه اختار أن ينصف المظلوم ويحمي الإنسان، مؤكدًا أن الأمم لا تتذكر أصحاب السلطة بقدر ما تتذكر أصحاب المواقف.
ولم يتوقف استحضار التاريخ عند هذه الواقعة، إذ أشار الدكتور محمود الهواري، ممثل الأزهر الشريف، إلى أن القائد الإسلامي عمرو بن العاص سار على النهج نفسه عندما أمّن بطريرك الكنيسة القبطية بعد دخوله مصر، في رسالة تؤكد أن حماية الإنسان وصيانة دور العبادة واحترام العقائد كانت جزءًا من الممارسة التاريخية للحضارة الإسلامية.
ومن هنا، اتفقت كلمات ممثلي الأزهر ودار الإفتاء والكنائس على أن استدعاء هذه النماذج ليس بهدف الاحتفاء بالماضي فقط، وإنما للاستفادة منها في مواجهة تحديات الحاضر، وإثبات أن الحوار ليس فكرة مستحدثة، بل امتداد لقيم راسخة عرفتها المنطقة منذ قرون، وأن السلام الحقيقي يبدأ عندما تكون العدالة هي الأساس الذي تُبنى عليه العلاقات بين البشر.
التجربة المصرية.. عندما تتحول المواطنة إلى جسر يربط بين الأديان والثقافات
ورغم أن المؤتمر حمل عنوان «مستقبل العلاقات المسيحية الإسلامية»، فإن كلمات المتحدثين لم تنشغل فقط بتشخيص التحديات، بل حرصت على تقديم نماذج واقعية تؤكد أن التعايش ليس حلمًا بعيد المنال، وإنما تجربة تعيشها مصر منذ قرون، وتجددها مؤسساتها الوطنية والدينية في كل مرحلة.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، أن التجربة المصرية تمثل نموذجًا حضاريًا فريدًا في إدارة التنوع الديني والثقافي، لأنها تقوم على الانتماء للوطن قبل أي انتماء آخر، وعلى مبدأ المواطنة الكاملة التي تساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات.
وأوضح أن العالم يعيش اليوم مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية مع الصراعات الدينية والثقافية، وهو ما يجعل الحوار بين الأديان ضرورة لحماية المجتمعات، وليس مجرد نشاط فكري أو مناسبة بروتوكولية.
وأشار إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تقدمًا واضحًا في ترسيخ قيم المواطنة وتعزيز التماسك المجتمعي داخل مصر، وهو ما انعكس على طبيعة العلاقات بين أبناء الوطن، مؤكدًا أن الحفاظ على هذا النموذج يتطلب استمرار التعاون بين جميع المؤسسات الدينية والوطنية.
ولم يغفل رئيس الطائفة الإنجيلية الإشارة إلى أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، وهي الانتشار الواسع لخطابات الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، موضحًا أن هذه المنصات أصبحت ساحة مفتوحة لنشر الشائعات، وإثارة الانقسام، وبث الأفكار المتطرفة، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة على المؤسسات الدينية والأكاديمية ومنظمات المجتمع المدني لإنتاج خطاب عقلاني قادر على الوصول إلى الشباب بلغتهم وأدواتهم.
كما استعرض تجربة الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، التي ربطت منذ تأسيسها بين التنمية الإنسانية وصناعة السلام، من خلال تنفيذ برامج تستهدف دعم المواطنة، وبناء الثقة بين المواطنين، وتأهيل القيادات الشابة، وترسيخ احترام التنوع، ومواجهة جميع أشكال التمييز والإقصاء، إلى جانب الدور الذي يؤديه منتدى حوار الثقافات في تقريب وجهات النظر بين القيادات الدينية والفكرية والثقافية.
واختتم أندريه زكي رؤيته بالتأكيد على أن مستقبل العلاقات الإسلامية المسيحية يجب أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن مجرد قبول الآخر إلى بناء شراكات حقيقية تخدم الإنسان، مشددًا على أن الاستثمار في الأجيال الجديدة هو الضمان الحقيقي لترسيخ السلام، وأن العدالة والثقة واحترام التنوع تمثل الركائز الأساسية لأي مجتمع يسعى إلى الاستقرار.
خطاب ديني يجمع ولا يفرق.. المؤسسات الدينية تؤسس لمرحلة جديدة من الحوار
وإذا كان المؤتمر قد استند إلى التاريخ في تقديم نماذج ملهمة للتعايش، فإنه في الوقت نفسه ركز على ضرورة تطوير الخطاب الديني ليصبح أكثر قدرة على مواجهة تحديات العصر.
وفي هذا الإطار، أكد الشيخ سيد عبد الباري، ممثل وزارة الأوقاف، أن القرآن الكريم وضع منهجًا متكاملًا للحوار يقوم على الحكمة والرحمة وحسن الكلمة، مشيرًا إلى أن قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ يحمل في مضمونه دعوة دائمة إلى اتباع طريق الاعتدال، بعيدًا عن التعصب والتشدد.
وأوضح أن القرآن الكريم لم يكتفِ بالأمر بالموعظة، وإنما قيدها بالحسنى، كما وجّه إلى أن يكون الحوار والجدال بأفضل صورة ممكنة، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾، وقوله سبحانه: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾، وكذلك قوله: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾، وهي مبادئ تؤكد أن الكلمة الطيبة والحوار الراقي يمثلان أساس الدعوة الصحيحة وبناء العلاقات الإنسانية.
ومن جانبه، أوضح الدكتور محمود الهواري، ممثل الأزهر الشريف، أن صناعة السلام لا تتحقق بمجرد إطلاق الشعارات، وإنما تحتاج إلى حوار منتج يترك أثرًا ملموسًا في المجتمع، ويترجم إلى مبادرات عملية تسهم في تقوية الروابط بين أبناء الوطن.
وأشار إلى أن الأزهر الشريف يواصل أداء هذا الدور من خلال العديد من المبادرات، وفي مقدمتها بيت العائلة المصرية، الذي أصبح نموذجًا وطنيًا للتعاون بين المسلمين والمسيحيين، وساهم على مدار السنوات الماضية في احتواء العديد من الأزمات المجتمعية، وترسيخ ثقافة الحوار داخل المجتمع المصري.
وأضاف أن الإنسان مفطور على حب السلام، لكن الحفاظ عليه يحتاج إلى صبر، وعمل مؤسسي، وإيمان حقيقي بأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، وإنما إلى فرصة للتعاون والتكامل.
وفي السياق نفسه، أكد الشيخ أحمد ممدوح أن دار الإفتاء المصرية تعمل على ترسيخ ثقافة الحوار من خلال بناء الوعي الديني، وإعداد خطاب وطني يعزز قيم التعايش، ويرفض أي اعتداء على دور العبادة أو أي محاولة لاستغلال الدين في نشر العنف أو الكراهية، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم جعل البر والعدل أساس العلاقة مع الآخرين، وهو ما يؤكد عالمية الرسالة الإسلامية في احترام الإنسان.
رسالة من القاهرة إلى العالم.. مستقبل السلام يبدأ من الإرادة المشتركة
وعلى الرغم من اختلاف الخلفيات الدينية والفكرية للمتحدثين، فإن كلماتهم التقت عند رسالة واحدة، مفادها أن مستقبل العلاقات المسيحية الإسلامية لن تصنعه البيانات الختامية وحدها، وإنما تصنعه الإرادة المشتركة، والعمل المؤسسي، والتربية على قبول الآخر، والاستثمار في الإنسان.
لقد بدا واضحًا أن المؤتمر لم يكن مناسبة للاحتفاء بالماضي فقط، بل منصة لرسم ملامح المستقبل، من خلال الدعوة إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والأكاديمية والثقافية، وتوسيع المبادرات المشتركة، وإطلاق برامج تستهدف الشباب، والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي في نشر ثقافة الحوار بدلًا من تركها ساحة لخطابات الكراهية.
كما حملت الكلمات دعوة صريحة إلى توسيع مجالات التعاون في القضايا الإنسانية والاجتماعية، مثل خدمة الفقراء، ورعاية اللاجئين، وحماية الأسرة، وترسيخ القيم الأخلاقية، باعتبارها قضايا تتجاوز الانتماءات الدينية، وتمثل مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الجميع.
وفي ختام أعمال اليوم الأول، بدت القاهرة وكأنها تقدم رسالة جديدة إلى العالم، تؤكد أن السلام لا يولد من الاتفاق الكامل، وإنما من القدرة على إدارة الاختلاف باحترام، وأن الحضارات لا تُقاس بما تملكه من قوة، بل بما تملكه من قدرة على حماية الإنسان وصون كرامته.
وهكذا، خرج المؤتمر الدولي لشبكة مراكز العلاقات المسيحية الإسلامية برؤية مشتركة تؤكد أن الحوار لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة لبناء المستقبل، وأن التجربة المصرية، بما تمتلكه من تاريخ طويل في التعايش، وبما تضمه من مؤسسات دينية ووطنية واعية، قادرة على أن تقدم للعالم نموذجًا عمليًا يؤكد أن العدالة، والاحترام، والمواطنة، والتعاون، تظل الطريق الأقصر نحو سلام حقيقي ومستدام.

قيادات الأزهر والكنائس ترسم خريطة جديدة للحوار وصناعة السلام

الأزهر والكنائس ترسم خريطة جديدة للحوار

خريطة جديدة للحوار وصناعة السلام

قيادات الأزهر والكنائس

تفاصيل مؤتمر قيادات الأزهر والكنائس لرسم خريطة جديدة للحوار وصناعة السلام