الفوز لم يكن على أستراليا. هكذا شعرت وأنا أتابع الدقائق الأخيرة من المباراة، وكأن ما يحدث على الشاشة أكبر كثيرا من مجرد أهداف وتمريرات وصفارة نهاية. كان هناك شيء آخر ينتصر في داخلنا جميعا، شيء شخصي جدا، وحميم جدا، ومصري جدا أيضا، لذلك خرج الناس إلى الشوارع بابتسامات لا تشبه ابتسامات متابعة مباراة عابرة، وامتلأت مواقع التواصل بكلمات بدا أنها تبحث عن متنفس أكثر من بحثها عن تعليق رياضي. كأننا جميعا كنا ننتظر سببا صغيرا لنقول لأنفسنا إن الأمور ليست سيئة إلى هذا الحد.
من السهل أن نقول إنها كرة قدم، لكن الأصعب أن ننكر أنها في أحيان كثيرة تصبح مرآة لما نشعر به. فعلى مدار الأيام العادية نحمل فوق أكتافنا ما يكفي من التعب والقلق والانتظار. نعيش سباقات لا يراها أحد، ونخوض معارك صامتة لا تلتقطها الكاميرات، ونحاول أن نبدو أقوياء بينما نتلقى في الداخل هزائم صغيرة متتالية. وحين يأتي انتصار جماعي بهذا الحجم، فإنه لا يضيف فقط ثلاث نقاط أو بطاقة تأهل أو نتيجة إيجابية، بل يمنح الناس لحظة نادرة من التصالح مع أنفسهم.
أظن أن سر كرة القدم الحقيقي لا يكمن في الملعب وحده، بل في قدرتها على جمع ملايين القصص الفردية داخل شعور واحد. ذلك الأب الذي عاد من يوم عمل طويل وجلس أمام الشاشة لينسى أعباءه قليلا. وتلك الأم التي لا تحفظ أسماء اللاعبين جميعا لكنها تتابع لأن الفرحة في البيت أصبحت مرتبطة بالمباراة. وذلك الشاب الذي اعتاد أن يخفي قلقه خلف السخرية، فوجد نفسه يقفز من مكانه دون حسابات. جميعهم كانوا يبحثون عن شيء أكبر من النتيجة. كانوا يبحثون عن لحظة تقول لهم إن الانتظار قد يؤدي أحيانا إلى مكافأة.
كم مرة خذلتنا التوقعات في تفاصيل حياتنا؟ وكم مرة رتبنا أحلامنا بعناية ثم جاءت النتائج مختلفة؟ لهذا بدا انتصار الأمس وكأنه رد اعتبار رمزي لكل تلك اللحظات. ليس لأنه سيغير مصائرنا أو يحل مشكلاتنا أو يجعل الحياة أكثر سهولة صباح اليوم التالي، ولكن لأنه ذكّرنا بأن الخسارة ليست قدرا دائما، وأن الإصرار يمكن أن يجد طريقه أخيرا إلى النتيجة التي يستحقها.
ولعل أجمل ما في المشهد لم يكن ما جرى فوق العشب الأخضر، بل ما جرى خارجه. ذلك التوحد النادر بين أناس مختلفين في الأعمار والاهتمامات والطباع. فجأة أصبح الجميع يتحدث اللغة نفسها. الجميع ينتظر اللحظة نفسها. الجميع يخاف من الدقيقة نفسها. وحين جاء الفرح، جاء للجميع بالقدر ذاته. وهذه واحدة من المعجزات الصغيرة التي لا تحققها إلا الرياضة. إنها تعيد إلينا شعورا نفتقده كثيرا في زحام الأيام، وهو أننا ما زلنا قادرين على الفرح معا.
أحيانا تحتاج الشعوب إلى انتصارات معنوية بقدر حاجتها إلى أي شيء آخر. تحتاج إلى لحظة ترفع الرأس قليلا بعد انحناءة طويلة فرضتها ظروف الحياة اليومية. تحتاج إلى حكاية جميلة تتداولها الأسر على موائد الطعام، ويتبادلها الأصدقاء في مكالماتهم، ويحملها الأطفال معهم إلى أحلامهم. لا لأنها أعظم انتصار في التاريخ، ولكن لأنها جاءت في الوقت المناسب تماما.
ولم تكن الفرحة مصرية فقط، بل بدت عربية على نحو لافت ومؤثر. فمنذ اللحظات الأولى امتلأت المنصات برسائل التهنئة القادمة من مختلف العواصم العربية، وكأن الفوز أعاد التذكير بمكانة مصر في الوجدان العربي باعتبارها الأخت الكبرى التي يفرح الجميع لفرحها ويتألمون لتعثرها. لم يكن الأمر تشجيعا لمنتخب فحسب، بل احتفاء بصورة مألوفة ومحببة ظلت حاضرة عبر عقود طويلة؛ صورة البلد الذي يشكل جزءا من ذاكرة كل عربي، بأغانيه وأفلامه ولهجته ووجوه فنانيه وحكاياته المشتركة مع الجميع. لذلك بدا الانتصار وكأن صداه يتجاوز الحدود الجغرافية، ليصبح مناسبة عربية نادرة لاجتماع المشاعر على نبض واحد. وحين تفرح مصر، يشعر كثيرون في العالم العربي أن لهم نصيبا في هذه الفرحة، ليس بدافع المجاملة، وإنما لأن روابط التاريخ والوجدان صنعت مع الزمن حالة خاصة تجعل نجاحها أقرب إلى نجاح قريب عزيز من نجاح بلد بعيد.
ما أسعدني بالأمس لم يكن الفوز نفسه بقدر ما أسعدني شكل الناس وهم يحتفلون به. ذلك البريق العفوي في العيون. تلك الضحكات التي خرجت دون تفكير. ذلك الشعور المؤقت بأن العالم صار أخف وزنا. ربما استمرت الفرحة ساعات، وربما أياما قليلة، لكن هذا لا يقلل من قيمتها. على العكس، بعض المشاعر الجميلة تستمد أهميتها من ندرتها.
ولهذا أرفض أن أتعامل مع ما حدث باعتباره مجرد مباراة انتهت نتيجتها على لوحة إلكترونية. ما حدث كان انتصارا على خيبات صغيرة تراكمت داخل كل واحد منا. انتصارا على شعور بالعجز يزورنا من حين إلى آخر. انتصارا على تلك الفكرة القاسية التي توهمنا أحيانا أن المحاولة لا جدوى منها. بالأمس هزمنا، ولو لدقائق، خيبة الأمل نفسها.
ومن قال إنها كرة قدم وفقط؟ إنها في بعض الليالي قصة أمل ترتدي قميصا رياضيا. وهي في ليال أخرى رسالة بسيطة تقول لنا إن الفرحة ما زالت ممكنة، وإن القلب الذي اعتاد استقبال الأخبار الثقيلة يمكنه أيضا أن يفتح نوافذه للضوء. وربما لهذا السبب بالتحديد بدا الفوز على أستراليا أكبر من المنافس، وأوسع من حدود الملعب، وأقرب إلى انتصار مصري وعربي على كل الهزائم المؤجلة في داخلنا.
لقد انتصر المنتخب، نعم. لكن الأصدق أن الملايين انتصروا معه للحظات. وأحيانا تكفي لحظة واحدة من الفرح الصادق لكي نتذكر أننا ما زلنا قادرين على الحلم من جديد.