هيثم الحاج على

الجامعة والعلوم الإنسانية.. درع الهوية ومحرك التنمية

الجمعة، 31 يوليو 2026 10:51 ص


في منتصف ستينيات القرن الماضي، وتحديدا في الخامس عشر من يونيو عام 1966، أطلق الرئيس الفرنسي شارل ديجول مقولته الشهيرة: «إذا كانت الجامعة بخير، فإن فرنسا بخير».

وقد كانت هذه العبارة تعبيرا عن إدراك عميق بأن سلامة الدولة واستقرارها يرتبطان مباشرة بكفاءة مؤسساتها الفكرية والأكاديمية، وأن الجامعة هي المحرك الأساسي الذي يقود المجتمع نحو النمو والازدهار.

إن النظر إلى الجامعة بوصفها مجرد أداة لتلبية متطلبات سوق العمل الفورية يمثل اختزالا مخلّا لدورها الحضاري والاجتماعي، ففي الوقت الذي تتسارع فيه خطط التنمية الاقتصادية الشاملة، تبرز العلوم الإنسانية بصفتها البنية التحتية الصلبة التي تضمن استدامة هذه التنمية وحمايتها، فالأبحاث العلمية في مجالات الفلسفة، والتاريخ، والأدب، والاجتماع، وإن لم تترجم بشكل مباشر إلى مكاسب مادية سريعة، فإنها توفر الدرع الواقي والضامن الأساسي للحفاظ على الهوية القومية والمكتسبات الحضارية للمجتمع.

لقد أثبتت الشواهد التاريخية والتطبيقات الحديثة أن غياب التفكير النقدي الناتج عن إهمال المعارف الإنسانية يفتح الباب واسعا أمام ظواهر الاستقطاب والتشدد، وما يمكن أن نخسره بدعم الثقافة والفنون سنخسر أضعافه في مواجهة نواتج التطرف والتشدد وغياب العقل النقدي، فالخطورة لا تكمن فقط في ضعف المهارات العملية، لكنها تتضح في نمو نمط تفكير قائم على الاتباع بدلا من التجديد والإبداع، وفي هذا السياق تشير الدراسات الاجتماعية إلى أن الوقوع في التبعية الثقافية يمهد الطريق لضعف الإرادة الوطنية، حيث يؤدي تفريغ الفرد من ركائز هويته الثقافية إلى سهولة استقطابه واختراقه فكريا من قبل النماذج الوافدة.

إن استراتيجيات بناء الإنسان، وفي مقدمتها «رؤية مصر 2030»، تعتمد في جوهرها على إعادة الثقة بالشخصية الوطنية وترسيخ الوعي المعرفي، ويمتد هذا الوعي ليشمل الربط الوثيق بين العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية؛ فالعلماء الأفذاذ، وأبرزهم الدكتور أحمد زويل، أدركوا أن التفكير العلمي المتطور لا ينفصل عن التذوق الفلسفي والأدبي، وأن الفلسفة والمنطق والتعمق في فهم المجتمع هي التي تمنح المتخصص القدرة على الابتكار وليس مجرد نقل المعادلات وأداء المهارات.

ومن هنا، فإن تراجع جودة التعليم الجامعي لا يتوقف خطره عند حدود الوعي فحسب لكنه يمتد ليمس مباشرة الاقتصاد القومي وعوائده؛ إذ تشكل القوى البشرية المؤهلة والمصدرة للخارج أحد أهم موارد الدولة للعملة الصعبة، وإن أي إهدار لدور الجامعة التنويري والأكاديمي يهدد كفاءة هذه الكوادر، ويحولها إلى عمالة نمطية أقل قدرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية، مما يؤدي بالضرورة إلى انخفاض معدلات الطلب عليها وخسارة هذا المورد الاقتصادي الحيوي، ليبقى معيار الجودة في التعليم الجامعي بمختلف تخصصاته هو المعامل الأهم في التنمية المستقبلية، والضامن الحقيقي لخلق مهندس أو طبيب يمتلك عقولا نقدية قادرة على الابتكار، لا مجرد منفذين لقواعد صماء.

إن إهدار قيمة الجامعة أو تحويلها إلى مجرد مراكز تدريب مهني عابرة يهدد خطط الإصلاح والتنمية على المدى القريب، مثلما يهدد الأمن القومي والثقافي على المدى البعيد، ولا يمكن تحصين هذا الدور الحضاري إلا بالاهتمام الحقيقي بدعم العلماء والباحثين في الجامعات ومراكز البحوث، وتوفير المناخ الملائم والمحفز لهم على البحث والابتكار؛ فتمكين الباحث وتوفير البيئة المستقرة لإنجازه المعرفي يعكسان الوظيفة الأساسية للجامعة بوصفها ركنا حضاريا يضمن بقاء الدولة متماسكة، وقادرة على إنتاج المعرفة وصيانة مستقبلها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة