في وقت تتكشف فيه يومًا بعد يوم حقيقة الرهانات الخاسرة التي وضعتها قوى إقليمية ودولية متمثلة في الوصايا الأروبية والإسرائيلية على جماعة الإخوان الإرهابية كأداة لضرب استقرار الدولة الوطنية المصرية، يقدم أحمد حميدة، الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، قراءة تفصيلية تكشف أسباب هذا الفشل المدوي، وتفضح الأدوات التي استُخدمت في هذه المعركة الخاسرة.
قيادات الإخوان الهاربة في الخارج تعمل لاستجداء العقوبات الدولية على مصر
وقال حميدة، إن محاولات قيادات الإخوان الهاربة في الخارج لم تعد تتوقف عند حدود التحريض الإعلامي التقليدي وبث الشائعات، بل تجاوزتها إلى محاولات ممنهجة لاستجداء العقوبات الدولية والضغط على الدولة المصرية من خلال الترويج لروايات مضللة أمام العواصم الغربية. موضحًا؛ أن هذه المحاولات اصطدمت بجدار من الفشل، بعدما أدركت هذه العواصم أن الجماعة الإرهابية لم تعد تمتلك أي حضور شعبي حقيقي، وأنها تحولت إلى عبء يجب التخلص منه بدلًا من الاستثمار فيه .
وأضاف الباحث في شؤون الحركات المتطرفة؛ أن قيادات التنظيم تضخ ملايين الدولارات سنويًا لتمويل شبكات إعلامية عابرة للحدود تستهدف تقويض الاستقرار الوطني وتشويه صورة مؤسسات الدولة المصرية . وأشار إلى أن هذه الأموال الضخمة لا تهدف إلى تقديم معارضة وطنية، بل تترجم إلى عائدات إعلانات بالدولار تتدفق إلى حسابات قيادات التنظيم، لتصبح سبوبة تعيش عليها عناصر اتخذت من ضرب الاستقرار الداخلي مصدراً للرزق .
وعن أسباب فشل رهان القوى الخارجية على الجماعة الإرهابية، أوضح حميدة أن الفشل يعود إلى سببين رئيسيين؛ الأول انكشاف حقيقة التنظيم أمام الرأي العام العربي والدولي، حيث بدأت أوروبا تتعامل مع جماعة الإخوان بصورة مختلفة خلال السنوات الأخيرة، بعدما تبين لها أن التنظيم لم يعد يمتلك الحضور الشعبي الذي
كشف حقيقة الجماعة أمام الرأي العام العربي والدولي
كان يدّعيه، مضيفًا؛ أن ثورة 30 يونيو مثلت نقطة فاصلة في كشف حقيقة الجماعة أمام الرأي العام العربي والدولي . أما السبب الثاني، كما أوضحه الباحث، فهو أن العواصم الغربية نفسها بدأت تتخذ إجراءات ضد التنظيم بدلًا من الاستجابة لضغوطه؛ ففي فرنسا صوّت البرلمان لصالح مقترح أوروبي بإدراج الجماعة على قوائم الإرهاب، وفي ألمانيا حظرت السلطات منظمة " إنتراكتيف" المرتبطة بالتنظيم، وفي النمسا تتخذ السلطات إجراءات تصعيدية منذ 2019 .
وتابع حميدة كاشفًا الأسلوب العملياتي لهذه الشبكات الإعلامية، موضحًا؛ أن الخطة تبدأ برصد أي تحدٍ محلي أو أزمة يواجهها الشارع المصري، ولفت إلى أن الهدف الحقيقي خلف هذا الضجيج ليس تعاطفًا مع المواطن البسيط، بل رفع معدلات المشاهدة والوصول عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما يترجم مباشرة إلى عائدات مالية ضخمة وإعلانات بالدولار .
وفي سياق متصل، كشف حميدة عن لجوء التنظيم إلى استراتيجية جديدة تسمّى "الانتشار الصامت" كمحاولة أخيرة لاصطياد أجيال جديدة لا تعرف تاريخهم الإرهابي، وذلك عبر تدشين منصات وصفحات تروج لشعارات مجتمعية براقة مثل "جبر الخواطر" و"دعم المحتاجين" . وأشار إلى أن هذه الاستراتيجية تكشف أن محاولات استجداء العقوبات والضغط ليست سوى غطاء خارجي لحرب أوسع على الوعي الجمعي المصري، مضيفًا؛ أن كلما ظهر إنجاز جديد، تحركت ماكينة التشويه للبحث عن أي مشكلة، وكلما أعلنت الدولة عن مشروع أو خطة تنموية، بدأت محاولات التشكيك في الجدوى والنتائج .
وأوضح الباحث؛ أن أخطر أدوات الجماعة الإرهابية؛ خلال السنوات الأخيرة لا تتمثل فقط في العنف المباشر، وإنما في ما يمكن وصفه بحرب الوعي، من خلال محاولة خلق حالة من انعدام الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وشدد على أن الجماعة لا تستهدف قرارًا بعينه ولا ترتبط بملف سياسي محدد، وإنما تمتد إلى كل مساحة تثبت فيها مؤسسات الدولة قدرتها على العمل والبناء .
أدبيات التنظيم الإرهابي خصومة مع كل يخالفه الرأى
وفي تحليله لجذور هذه المعركة، أشار حميدة؛ إلى أن استهداف الجماعة الإرهابية لمؤسسات الدولة المصرية ليس رد فعل عابر على خسارة السلطة، وإنما ارتبط برؤية تنظيمية وفكرية أعمق ترى في الدولة الوطنية ومؤسساتها منافسًا مباشرًا لمشروع الجماعة الإخوانية . مؤكدًا؛ أن نقطة البداية لفهم هذا العداء تتمثل في طبيعة الولاء الذي تزرعه الجماعة داخل أعضائها، موضحًا؛ أن التربية التنظيمية تجعل الانتماء للجماعة مقدمًا على الانتماء الوطني؛ مضيفًا؛ أن هذا النهج أسس لحالة من القطيعة مع المجتمع والدولة، ورسخ عبر أدبيات التنظيم خصومة ممتدة مع كل رأي مخالف.
واختتم حميدة حديثه لـ" اليوم السابع" بالتأكيد على أن هذه المحاولات الناعمة وصلت إلى طريق مسدود، ولن تحقق أي نجاح؛ بعدما لفظ الشارع المصري والضمير الجمعي إيديولوجيا الجماعة الإرهابية، وتبرأ منها العديد من أعضائها، لتجد القيادات الهاربة نفسها بلا شعبية في الداخل، ولا حاضنة في الخارج، أمام دولة مصرية ماضية بثبات في طريق البناء والاستقرار.