أعاد الحكم بالسجن 200 عام على القس الكيني بول ماكنزي، زعيم الطائفة المرتبطة بمأساة غابة شاكاهولا، تسليط الضوء على واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها كينيا خلال السنوات الأخيرة، بعدما قادت تعاليم متطرفة أتباعه إلى تجويع أنفسهم وأطفالهم حتى الموت، في كارثة تجاوز عدد ضحاياها 400 شخص.
وبينما اعتبر البعض الحكم خطوة مهمة لتحقيق العدالة، رأى آخرون أنه لا يوازي حجم المأساة، خصوصاً أسر الضحايا التي لا تزال تبحث عن رفات ذويها وتطالب بكشف الحقيقة كاملة.
حكم قضائي يفصل بين نوعين من القتل
أصدرت المحكمة العليا في مدينة مومباسا، الجمعة حكماً بالسجن 200 عام على بول ماكنزي، بعد إدانته بقتل 191 شخصاً، بينهم 190 طفلاً وشخص بالغ، في غابة شاكاهولا بمقاطعة كيليفي الساحلية، خلال الفترة من يناير 2021 إلى سبتمبر 2023.
وقسمت المحكمة العقوبة إلى 100 عام عن 183 حالة قتل بالتجويع، و100 عام أخرى عن ثماني حالات قتل مباشر، على أن تنفذ العقوبتان تباعاً.
واعتبرت القاضية ديانا كافيدزا أن ماكنزي يتحمل المسئولية الجنائية الرئيسية عن نقل أتباعه إلى المنطقة النائية وفرض الصيام القاتل عليهم.
ولم يقتصر الحكم على زعيم الطائفة، إذ قضت المحكمة بعقوبات تراوحت بين 10 و160 عاماً بحق 28 متهماً آخرين، بينهم مساعدون وحراس أشرفوا على تنفيذ تعليمات التجويع، وأشخاص ساعدوا في إخفاء المقابر.
وأمرت المحكمة بتقديم دعم تعليمي وصحي واقتصادي للناجين، إلى جانب مواصلة جهود تحديد هوية الضحايا وتسليم رفاتهم إلى أسرهم.
429 جثماناً تكشف حجم المأساة
بدأت القضية تتكشف في أبريل 2023، بعدما عثرت السلطات الكينية على مقابر جماعية في غابة شاكاهولا، حيث كان أتباع كنيسة «الأخبار السارة الدولية» يعيشون في تجمعات معزولة داخل أكواخ بدائية، بعيداً عن رقابة المجتمع المحلي.
ووفقاً للجنة الوطنية الكينية لحقوق الإنسان، أسفرت عمليات البحث والانتشال عن استخراج 429 جثماناً، كما أنقذت السلطات 25 طفلاً من الموقع خلال عمليات الإنقاذ والبحث.
وأشارت التحقيقات إلى أن الضحايا لم يموتوا جميعاً بالطريقة نفسها؛ إذ كشفت الفحوص عن حالات تجويع واختناق واعتداءات جسدية.
ويجب التمييز بين العدد الإجمالي للجثامين التي عُثر عليها في شاكاهولا، وهو 429، وبين 191 حالة قتل تناولها الحكم الصادر في نوفمبر 2026؛ فالقضية الأخيرة تتعلق بمجموعة محددة من الضحايا، ولا تعني أن جميع الوفيات حُسمت قضائياً في المحاكمة نفسها.
تعاليم متطرفة وعزل عن العالم الخارجي
كشفت التحقيقات وشهادات الشهود أن ماكنزي استخدم خطاباً دينياً متطرفاً لإقناع أتباعه بأن الامتناع عن الطعام سيقودهم إلى النجاة قبل نهاية العالم.
ووفقاً لما عرضته النيابة، بدأت تعليمات التجويع بالأطفال، ثم امتدت إلى الشباب والنساء والرجال.
كما تحدثت شهادات عن منع الأتباع من مغادرة المنطقة، واستخدام العنف لإجبارهم على تنفيذ التعليمات، فضلاً عن رفض التعليم النظامي والطب الحديث والمستشفيات، وتصويرها باعتبارها ممارسات تتعارض مع معتقدات الجماعة.
واستندت النيابة في القضية إلى شهادات نحو 120 شاهداً، إلى جانب الأدلة الجنائية والطبية وتحليلات الحمض النووي والتسجيلات الرقمية. وفي 19 أكتوبر 2026، أدانت المحكمة ماكنزي و28 متهماً آخرين بقتل 191 شخصاً، قبل أن تصدر أحكام السجن في نوفمبر.
ثغرات أمنية سمحت باستمرار نشاط الطائفة
لم تقتصر تداعيات المأساة على المسئولية الجنائية لأفراد الجماعة، بل امتدت إلى أداء الأجهزة الحكومية التي تلقت بلاغات سابقة بشأن أنشطة ماكنزي.
وخلص تحقيق أجراه مكتب أمين المظالم الكيني عام 2024 إلى أن تقصير مسئولين في الإدارة المحلية والشرطة ساهم في وقوع الكارثة، موضحاً أن بلاغات بشأن أنشطة ماكنزي وصلت إلى مراكز الشرطة ومسؤولين محليين ولجان أمنية خلال الفترة من 2021 إلى 2023، من دون اتخاذ إجراءات كافية لمنع المأساة.
كما أشارت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان إلى أن ماكنزي واجه مشكلات قانونية واعتقالات سابقة منذ عام 2017، على خلفية أنشطة مرتبطة بالتطرف وحرمان الأطفال من التعليم، لكنها لم تمنع استمرار نشاطه حتى اكتشاف المقابر الجماعية. وأعادت هذه النتائج فتح النقاش حول مسؤولية السلطات عن مراقبة الأنشطة التي تنطوي على استغلال ديني أو تهديد لحياة الأتباع.
استئناف الحكم وملفات قضائية لم تُحسم
رغم صدور الحكم بالسجن 200 عام، فإن المسار القضائي لماكنزي لم ينتهِ. فقد أعلن محاميه لورانس أوبونيو عزمه الطعن على العقوبة، واعتبرها قاسية وغير قابلة للتطبيق عملياً، فيما حُدد يوم 27 نوفمبر 2026 موعداً للنظر في إجراءات الاستئناف، وفقا لوكالة الأنباء الكينية.
وفي تطور آخر، أفادت شبكة «سيتيزن ديجيتال» الكينية في 7 نوفمبر بأن ماكنزي لا يزال يواجه ست قضايا أخرى أمام محاكم مختلفة، من بينها القضية المرتبطة باتهامات الإرهاب، التي تشمل ماكنزي و94 متهماً آخرين، وتتعلق باتهامات تتصل بالتنظيم الإجرامي والتطرف وتسهيل أعمال إرهابية، كما يواجه اتهامات منفصلة تتعلق بالقتل غير العمد وإساءة معاملة الأطفال والتعذيب.
وبذلك لا يمثل حكم الـ200 عام نهاية القضية، بل خطوة في مسار قضائي أوسع يستهدف كشف ملابسات وفاة مئات الأشخاص ومحاسبة المتورطين، إلى جانب تحديد مسئولية الجهات التي أخفقت في التدخل المبكر.
أسر الضحايا: العدالة لا تكتمل دون استعادة الرفات
عكست ردود فعل أسر الضحايا حجم الفجوة بين صدور الحكم وتحقيق العدالة من وجهة نظر المتضررين.
فقد رأى بعض الكينيين أن العقوبة تمثل خطوة مهمة، بينما طالب آخرون بعقوبة أشد، معتبرين أن السجن 200 عام لا يتناسب مع عدد الضحايا وحجم المعاناة.
ومن بين هؤلاء سليمان زيرو، الذي فقد زوجته وستة من أبنائه، وقال إن العقوبة لا تكفي ما دام لم يتمكن من استعادة جثامين أفراد أسرته ودفنهم. كما طالب آباء وأقارب آخرون بمواصلة عمليات التعرف على الرفات وتحديد مصير المفقودين.
وتضع هذه المطالب السلطات أمام اختبار يتجاوز المحاكمات، يتمثل في استكمال تحديد هويات الضحايا، ودعم الناجين نفسياً وتعليمياً واجتماعياً، ومراجعة آليات الرقابة على المؤسسات الدينية دون المساس بحرية الاعتقاد.