يشهد إقليم كردفان واحدة من أكثر مراحل الحرب السودانية تصعيدا، منذ اندلاع القتال في أبريل 2023، بعدما انتقلت القوات المسلحة السودانية من مرحلة الدفاع إلى توسيع العمليات الهجومية في ولاية شمال كردفان، محققة سلسلة من المكاسب العسكرية المتتالية التي أعادت رسم خريطة السيطرة في الإقليم، وأثرت بصورة مباشرة على موازين القوى بين الجيش وميليشيا الدعم السريع.
وخلال الأيام الأخيرة، نجح الجيش السوداني، مدعومًا بالقوة المشتركة للحركات المسلحة وقوات درع السودان ومجموعات مساندة، في استعادة عدد من المدن والمناطق الاستراتيجية، بالتزامن مع تكثيف الضربات الجوية ضد الدعم السريع، في تطورات ينظر إليها باعتبارها تحولًا ميدانيًا قد ينعكس على مسار العمليات العسكرية في وسط وغرب السودان خلال المرحلة المقبلة.
غارات جوية متواصلة لتثبيت المكاسب
في إطار العمليات العسكرية الجارية، أعلنت غرفة طوارئ "دار حمر" أن سلاح الجو السوداني واصل، الثلاثاء، تنفيذ غاراته الجوية لليوم الثاني على التوالي، مستهدفًا تجمعات لعناصر من الدعم السريع في مناطق المزروب وأم بادر وأم مرحيك وعيال بخيت بمنطقة "جبل أم بل" في ولاية شمال كردفان.
وذكرت الغرفة أن الضربات الجوية استهدفت مواقع تستخدمها ميليشيا الدعم السريع، متهمة الأخيرة بالتسبب في ترويع المدنيين وإغلاق الأسواق في تلك المناطق.
كما أشارت إلى أن الغارات أوقعت خسائر كبيرة في صفوف عناصر الدعم السريع المستهدفة، مؤكدة أن الجيش بات قريبًا من استعادة مناطق جديدة داخل الولاية.
وتأتي هذه الغارات بعد أيام من العمليات البرية الواسعة التي نفذتها القوات المسلحة، في محاولة لتثبيت سيطرتها على المناطق التي استعادت السيطرة عليها ومنع قوات الدعم السريع من إعادة تنظيم صفوفها أو شن هجمات مضادة.
استعادة مدن استراتيجية تغير خريطة السيطرة
وحقق الجيش السوداني خلال يومي 25 و26 يوليو تقدمًا ميدانيًا واسعًا مكّنه من استعادة مدن بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة وعدد من البلدات الأخرى في شمال كردفان، وهي مناطق ظلت لأشهر تمثل نقاط ارتكاز رئيسية لميليشيا الدعم السريع.
ولا تقتصر أهمية هذه المناطق على بعدها العسكري، وإنما ترتبط أيضًا بموقعها الجغرافي على طريق الصادرات الحيوي، الذي يعد أحد أهم شرايين النقل والإمداد بين ولاية شمال كردفان والعاصمة الخرطوم، بطول يقارب 360 كيلومترًا.
ويرى متابعون أن استعادة هذا الطريق تمثل أحد أبرز الإنجازات العسكرية التي حققها الجيش خلال الأشهر الأخيرة، إذ أعادت فتح محور استراتيجي ظل خارج سيطرته لفترة طويلة، كما حدّت من قدرة الدعم السريع على التحرك بين مناطق نفوذه في كردفان والخرطوم.
طريق الصادرات... ضربة لخطوط الإمداد
أدى فقدان قوات الدعم السريع السيطرة على طريق الصادرات إلى حرمانها من أحد أهم خطوط الإمداد والتحرك العسكري، كما أفقدها ورقة ضغط استخدمتها مرارًا في تهديد العاصمة الخرطوم وقطع خطوط النقل والإمداد.
كما أن استعادة الطريق تعني تأمين أحد أهم المحاور الاقتصادية والعسكرية في البلاد، بما يتيح للجيش سهولة تحريك القوات والإمدادات نحو غرب السودان، ويقلص قدرة الدعم السريع على المناورة في شمال كردفان.
وكشفت وسائل إعلام محلية، أن السيطرة على هذا الطريق تمثل تحولًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الولاية، باعتبار أن كردفان تشكل حلقة الوصل الرئيسية بين وسط السودان وإقليم دارفور، ما يمنح الطرف المسيطر عليها أفضلية كبيرة في إدارة العمليات العسكرية.
حميدتي يوجه قواته بتغيير أسلوب القتال
بالتزامن مع هذه التطورات، أصدر قائد ميليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" توجيهات جديدة لقواته عقب اجتماع أمني عقده مع قادة تحالف "تأسيس".
وقال حميدتي إن حركة القوات في الميدان أصبحت بيد القادة العسكريين مباشرة، داعيًا عناصره إلى تغيير أسلوب القتال، وتنظيف الصفوف ممن وصفهم بـ"الطابور الخامس"، كما شدد على منع تصوير العمليات العسكرية، معتبرًا أن مخالفة ذلك تمثل عملًا يخدم الخصوم، وفقا لصحيفة سودان تربيون.
وجاءت هذه التصريحات بعد يوم واحد فقط من الانتكاسات التي تعرضت لها ميليشيا الدعم السريع في شمال كردفان، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرًا على سعي قيادة الدعم السريع إلى إعادة تنظيم قواتها بعد خسارة مواقع استراتيجية في الولاية.
البرهان يتفقد الخطوط الأمامية
وفي رسالة تحمل دلالات سياسية وعسكرية، تفقد رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يرافقه عدد من القادة العسكريين، المناطق التي استعادتها القوات المسلحة في أم سيالة وجبرة الشيخ.
وشارك في الجولة حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، ووالي شمال كردفان، وقائد قوات درع السودان أبو عاقلة كيكل، حيث التقى البرهان بالقوات المنتشرة في الخطوط الأمامية، في خطوة تعكس حرص القيادة العسكرية على تثبيت المكاسب الأخيرة ورفع الروح المعنوية للقوات.
مخازن أسلحة تكشف حجم تمركز الدعم السريع
وخلال عمليات التمشيط التي أعقبت استعادة مدينة جبرة الشيخ، أعلنت القوة المشتركة العثور على مخازن كبيرة للأسلحة والذخائر، إضافة إلى مستودعات للمواد الغذائية وقطع غيار المركبات القتالية والدراجات النارية.
ويعكس حجم المضبوطات، بحسب مصادر ميدانية، طبيعة الدور الذي كانت تؤديه جبرة الشيخ باعتبارها مركزًا رئيسيًا لتمركز عناصر الدعم السريع، بعد انسحاب مجموعات منها من ولاية الخرطوم، وتحولها إلى نقطة انطلاق للعمليات العسكرية في شمال كردفان، فضلًا عن استخدامها لتهديد خطوط الإمداد المؤدية إلى مدينتي أم درمان والأبيض.
انعكاسات إنسانية مستمرة
ورغم التطورات العسكرية، لا تزال الأوضاع الإنسانية تشهد تدهورًا متواصلًا، إذ أعلنت المنظمة الدولية للهجرة نزوح2545 شخصًا من قريتي وادي جنك ووادي خزان بمحلية أم برو في ولاية شمال دارفور، نتيجة تصاعد انعدام الأمن خلال الفترة بين 20 و23 يوليو.
وأوضحت المنظمة أن معظم الأسر النازحة لجأت إلى مناطق داخل السودان أو عبرت الحدود إلى تشاد، في وقت تستضيف فيه ولاية شمال دارفور أكثر من 1.68 مليون نازح، وسط أوضاع إنسانية صعبة ونقص في الخدمات الأساسية.
معركة قد تعيد تشكيل المشهد
تشير التطورات الأخيرة إلى أن ولاية شمال كردفان أصبحت محورًا رئيسيًا في الصراع الدائر بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، إذ لا تقتصر أهمية المعارك على السيطرة على المدن، وإنما تمتد إلى التحكم في طرق الإمداد ومحاور الحركة بين الخرطوم ودارفور.