نرمين القماح

بين واشنطن وطهران، ماذا أراد نتنياهو من زيارته الأخيرة إلى واشنطن؟

الخميس، 30 يوليو 2026 08:45 م


في السياسة، لا تُقاس الزيارات الرسمية بعدد ساعاتها، بل بما تحمله من رسائل وما تتركه من آثار. من هذا المنطلق، جاءت الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في لحظة إقليمية حساسة. تتداخل تداعيات المواجهة مع إيران مع حسابات الحرب في غزة، ومستقبل التوازنات الأمنية في الشرق الأوسط، وإعادة ترتيب أولويات التحالف الأمريكي-الإسرائيلي.

الملفات المعلنة للزيارة كانت مألوفة؛ البرنامج النووي الإيراني، مستقبل الحرب في غزة، جهود استعادة الأسرى، والتعاون الأمني والعسكري بين البلدين. تشير القراءة السياسية إلى أن ما دار خلف الأبواب المغلقة ربما تجاوز هذه العناوين التقليدية. ربما سعى الطرفان لتشكيل رؤية مشتركة لما بعد التصعيد مع إيران، وتحديد حدود الدور الأمريكي في أي مواجهة قادمة.

يدرك نتنياهو أن الضربات المتبادلة بين إسرائيل وإيران فتحت صفحة جديدة في الصراع. عنوانها الانتقال من حرب الظل إلى المواجهة المباشرة، حتى وإن كانت بصورة محدودة. في المقابل، يبدو ترامب حريصًا على الحفاظ على سياسة الردع دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة قد تستنزف الولايات المتحدة سياسيًا وعسكريًا. من هنا، يحمل اللقاء في طياته محاولة للتوفيق بين الرغبة الإسرائيلية في تشديد الضغوط على إيران والحسابات الأمريكية الأكثر حذرًا.

في هذا السياق، تبرز مذكرة التفاهم الأمنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل كأحد أهم الملفات غير المعلنة. تشكل هذه المذكرة الإطار الاستراتيجي للتعاون العسكري والدعم الدفاعي وقد تواجه اختبارًا حقيقيًا في ضوء المتغيرات الإقليمية. تسعى إسرائيل إلى ضمان استمرار التفوق العسكري النوعي والحصول على التزامات أوضح بشأن الدعم في حال اتسعت دائرة المواجهة مع إيران أو أذرعها الإقليمية.

لكن الإدارة الأمريكية قد تميل إلى إعادة صياغة بعض أولويات هذا التعاون. ذلك لتحقيق توازن بين دعم إسرائيل ومنع انفجار إقليمي شامل. تدرك واشنطن أن أي التزام مفتوح قد يفرض عليها الانخراط المباشر في صراع لا يتوافق بالضرورة مع أولوياتها الاستراتيجية، خصوصًا في ظل المنافسة مع الصين، واستمرار الحرب في أوكرانيا، والضغوط الاقتصادية الداخلية.

تراقب إيران هذه التحركات كجزء من معركة الردع المتبادلة. كلما زادت مؤشرات التقارب العسكري والسياسي بين واشنطن وتل أبيب، ارتفعت احتمالات أن تعزز طهران أوراقها التفاوضية والعسكرية، سواء عبر برنامجها النووي أو عبر شبكة حلفائها في المنطقة. هذا يجعل معادلة الأمن الإقليمي أكثر تعقيدًا.

تتميز هذه المرحلة بأن المنطقة لم تعد تعيش على واقع الأزمات المنفصلة. بل باتت الملفات مترابطة بشكل غير مسبوق؛ غزة، البرنامج النووي الإيراني، أمن البحر الأحمر، ومستقبل العلاقات العربية الإسرائيلية، جميعها أصبحت عناصر في استراتيجية واحدة، يصعب فصل أحدها عن الآخر.

في النهاية، يمكن اعتبار زيارة نتنياهو لترامب محاولة لإعادة صياغة أسس الشراكة الأمريكية-الإسرائيلية في مرحلة تتغير فيها قواعد الاشتباك الإقليمي. هذه الزيارة ستنتهي إلى تعديلات رئيسة في مذكرة التفاهم أو إلى تفاهمات أمنية جديدة، ويظل ذلك مرهونًا بتطورات الحرب على إيران وبقدرة الطرفين على التوازن بين ضرورات الردع ومتطلبات تجنب حرب إقليمية شاملة.

السياسة أثبتت في الفترة الأخيرة، أن أحداث الشرق الأوسط ليست فن إعلان النوايا بل فن إدارة الاحتمالات.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة