شريف عارف

الاصطفاف الوطني.. في مرحلة بالغة التعقيد

الخميس، 30 يوليو 2026 04:41 م


من يشك، للحظة، أن مصر عاجزة عن إدارة المشهد سياسيًا، أو في قدرتها على الرد أو الردع، فهو غير واقعي، وغير مستوعب لما شهده الإقليم على مدى السنوات القليلة الماضية.

ومن لا يدرك أننا نعيش في عالم مختلف، فهو غير مدرك لما يدور حوله من الأساس. هذه حقيقة يجب أن نقر بها جميعًا.

الأحداث متلاحقة بصورة غير طبيعية، وإدارتها سياسيًا أمر بالغ التعقيد، لكن يبقى "الاصطفاف الوطني" وتماسك الجبهة الداخلية هو الحل وطوق النجاة وسط كل هذه المتغيرات والتحديات.

والحقيقة التي يجب أن نقر بها جميعًا هي أنه لم يعد التعامل مع الحوادث والأزمات في العصر الرقمي يقتصر على السيطرة الميدانية واحتواء تداعياتها السريعة، وإنما يمتد إلى ساحة أخرى لا تقل أهمية عن الأولى، هي - بكل بساطة - ساحة المعلومات والروايات المتداولة على الواقع الافتراضي!

قبل ساعات قليلة، أعلن مجلس الوزراء أنه، بعد السيطرة على الحريق الذي تعرضت له سفينتان في ميناء دمياط يوم 29 يوليو 2026، وإجراء الجهات المعنية التحقيقات الأولية حول الحادث، تبين أنه ناتج عن طائرة مسيرة، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الواقعة، وتواصل الجهات المعنية استكمال التحقيقات للوقوف على ملابسات الحادث، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على مصالح مصر وأمنها القومي.

إلى هنا انتهى البيان، الذي يشير إلى حقيقة مؤكدة، وهي أن الموقع تعرض بالفعل لهجوم بطائرة مسيرة.

الحقيقة أننا في مرحلة حاسمة في "قضية الوعي". فقد أظهرت الساعات الأولى للحادث جانبًا آخر من الأزمة، تمثل في سرعة انتشار روايات حول طبيعة ما جرى. وهنا فقط تظهر أهمية التمييز بين المعلومة الأولية التي قد تكون قابلة للمراجعة والتحديث، والمعلومة الرسمية المؤكدة الصادرة عن الجهات المختصة بعد التحقق من الوقائع. ففي البيئة الإعلامية الحالية، شديدة السرعة والحساسية، يمكن للرواية الأولى أن تحقق انتشارًا واسعًا قبل أن تتضح الصورة الكاملة.

في أوقات الأزمات، يكون الهدف من بعض العمليات ليس فقط إحداث خسائر مادية، وإنما إثارة الخوف والقلق وإرباك المجتمع.

ولذلك فإن الهدوء والوعي، وعدم الانجرار وراء الشائعات، يمثلان جزءًا أساسيًا من الأمن القومي، وكذلك عدم الاعتماد على المصادر المجهلة، وانتظار البيانات الرسمية التي تكشف حقيقة الموقف.

الاصطفاف يعني أن الأمن القومي والمصالح العليا للدولة يظلان خطوطًا حمراء أمام محاولات الاستقطاب أو الفوضى، مع ترك التعامل مع الحوادث للقيادة السياسية وأجهزة الدولة.

لا بد أن نكون مؤمنين بأننا أمام مرحلة شديدة التعقيد، فمصر تقع في محيط إقليمي مضطرب، مع تصاعد الأزمات في غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر، فضلًا عن التنافس الدولي على المنطقة.

في مثل هذه البيئة المضطربة، تحتاج القيادة إلى مساحة من الاستقرار الداخلي تمكنها من التحرك وفق حسابات دقيقة، بعيدًا عن ردود الفعل الانفعالية السريعة.

قبل ثورة 30 يونيو المجيدة، كانت المعارك التي تخوضها مصر على الأرض تتسم بقدر كبير من الوضوح، لكن الآن أصبح ميدان الحرب بالكامل على الواقع الافتراضي، وعليه فالمسؤولية ليست على من يخوض الحرب وحده، ولكنها تقع أيضًا على عاتق الرأي العام ووعيه وقدرته على الاستيعاب.

مصر قوية.. وقادرة.

Sherifaref2020@gmail.com




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة