رفعت جبر

طبول الحرب وظلال المونديال.. كيف تدار الصراعات تحت مظلة الواقعية السياسية؟

الجمعة، 03 يوليو 2026 01:00 ص


بينما شخصت أبصار الملايين حول العالم نحو المستطيل الأخضر لمنافسات كأس العالم في الولايات المتحدة الأمريكية، يأتي دوي الانفجارات من الساحل الجنوبي لإيران ليعيد صياغة المشهد بعبثية بالغة؛ ففي اللحظة التي تستعد فيها الرياضة لتقريب الشعوب، تحرص الآلة العسكرية على تذكير الجميع بأن قعقعة السلاح وصراع النفوذ هما المحرك الأساسي للعلاقات الدولية.


من ساحة الحرب في لبنان إلى طاولة المفاوضات الإقليمية، وصولًا إلى الملاعب الأمريكية، تتداخل الملفات السياسية بالرياضية، لتكشف عن مفارقة صارخة: كيف يُتهم طرفٌ باحتلال دولة أخرى عبر وكلاء، في حين يُغض الطرف عن احتلال مباشر وقائم على الأرض؟ إنها الجغرافيا السياسية في أعنف تجلياتها، حيث لا تملك الرياضة دائمًا القدرة على كبح جماح الاستراتيجيات الدولية لتقليم أظافر الخصوم.

 

تفكيك المشهد: من مضيق هرمز إلى ملاعب سياتل

تأتي الضربات الجوية الأخيرة التي نفذتها القيادة المركزية الأمريكية ضد مواقع الرصيف البحري "طاهروي" في مدينة سيريك الإيرانية، وما شملته من استهداف لمنظومات الصواريخ والمسيرات، لتؤكد أن وقف إطلاق النار ليس سوى هدنة مؤقتة لإعادة تموضع القوى.


وإذا نظرنا إلى تسلسل الأحداث بنظرة تحليلية معمقة، نجد أن التفجيرات الثلاثة المتتالية لم تكن مجرد رد فعل معزول على استهداف إيران لسفينة الشحن السنغافورية "إم/في إيفر لوفلي" يوم 25 يونيو بمحاذاة السواحل العمانية، بل هي نتاج صراع استراتيجي أوسع على خطوط الملاحة الدولية وموازين القوى في المنطقة، ويتضح ذلك من خلال:
• التحرك الدبلوماسي الأمريكي المضاد: سبقت هذه التوترات جولة مكثفة لوزير الخارجية الأمريكي "ماركو روبيو" في دول الخليج، والتي نجحت في إحداث تحول دراماتيكي في المواقف الإقليمية. هذا التحرك جاء ليعرقل قمة مصالحة تاريخية كانت وشيكة في الرياض، كانت تهدف لإرساء قواعد حسن الجوار والأمن المشترك بعيدًا عن التدخلات الخارجية.

• معادلة مضيق هرمز وأمن الطاقة: تعاملت إيران مع هذا التحول باعتباره محاولة لتطويقها سياسيًا واقتصاديًا، بالتوازي مع الإصرار الإسرائيلي على عدم الخروج من جنوب لبنان. ومن هنا جاءت الرسائل الإيرانية الخشنة عبر المسيرات في المضيق، تلتها رسالة عمانية حاسمة تبلغ القوى الدولية بأن ترتيبات المضيق الأمنية قد تغيرت ولن تعود إلى سابق عهدها.
• التوظيف السياسي للرياضة: تظهر المفارقة العبثية في سياتل، حيث خاض المنتخب الإيراني مباراته المونديالية على الأراضي الأمريكية، في وقت تزامنت فيه أجواء اللقاء مع تحذيرات ساخنة صادرة عن الحرس الثوري الإيراني برد حاسم وسريع قد يستهدف القواعد الأمريكية في الخليج. يرى الكثير من المراقبين في هذا التوقيت محاولة لحرمان الشعب الإيراني من التقاط أنفاسه أو الفرح بفريقه، عبر إبقائه تحت وطأة الضغط العسكري المستمر وتكريس عزلته الدولية.
خارطة المواقف الدولية ومستقبل المنطقة
إن قراءة مآلات هذا التصعيد تضعنا أمام سيناريوهات معقدة تعيد رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، ويمكن استشراف مواقف القوى الفاعلة على النحو التالي:
• مستقبل المنطقة والأمن الإقليمي: تتجه المنطقة نحو نمط من "التصعيد المنضبط" أو حرب استنزاف بالنقاط. لن تنتهي الحرب بلا عودة، بل ستظل الجبهات مشتعلة طالما بقي الاحتلال المباشر لجنوب لبنان قائمًا كشاهد على المعايير المزدوجة، وطالما استمرت المحاولات الدولية لتعديل موازين القوى في مضيق هرمز. ومن المتوقع أن تشهد الساعات القادمة ردودًا موضعية من حلفاء إيران أو ضربات منخفضة الكثافة ضد مصالح أمريكية للحفاظ على معادلة الردع.
• موقف دول المنطقة: ستجد دول الخليج نفسها في موقف دقيق يوازن بين شراكتها الاستراتيجية المتجددة مع واشنطن لحماية أمنها وحقولها، وبين إدراكها لضرورة عدم غلق أبواب الدبلوماسية تمامًا مع طهران لتجنب تحول الخليج إلى ساحة معركة مفتوحة تضر باقتصاداتها ومشاريعها التنموية.

 

موقف محور الشرق (الصين وروسيا):

• بكين: ستستمر الصين في تبني دبلوماسية هادئة لكنها حاسمة، مركزةً على تأمين تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز ومبادرة الحزام والطريق. ستقاوم الصين في المحافل الدولية أي عقوبات أحادية قد تشل حركة الملاحة، وستدفع باتجاه العودة لطاولة المفاوضات لضمان استقرار الأسواق.
• موسكو: ستستغل روسيا هذا التصعيد لتعميق تحالفها العسكري والاستراتيجي مع إيران، معتبرة أن الضغط الأمريكي على طهران يخدم معركتها الأوسع ضد الهيمنة الغربية. قد تقدم موسكو دعمًا تكنولوجيًا واستخباراتيًا أكبر لطهران لتعزيز قدراتها الدفاعية الساحلية، مما يزيد من كلفة أي مغامرة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية قادمة.
خاتمة
في الختام، تُثبت أحداث الساعات الأخيرة أن المستطيل الأخضر، برغم رمزيته العالمية، يظل عاجزًا عن حجب دخان الحروب؛ فالسياسة الدولية لا تعترف بنوايا السلام الرياضية، بل بموازين القوى على الأرض، وستظل منطقة الشرق الأوسط تتأرجح بين طاولة المفاوضات الهشة وساحات الحرب المشتعلة، في انتظار توازن دولي جديد يُنهي سياسة المعايير المزدوجة.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة