في وقت تتزايد فيه المتطلبات المائية للقطاع الزراعي مع ذروة الموسم الصيفي، تطفو على السطح بين الحين والآخر شكاوى من بعض المزارعين حول نقص مياه الري في نهايات بعض الترع والمجاري المائية.
غير أن هذه الشكاوى – التي يتداولها البعض بحسن نية أو يستغلها آخرون لإثارة البلبلة – تصطدم بحقيقة علمية وتنظيمية صارمة فالموارد المائية في مصر لا تخضع للأهواء الشخصية أو العشوائية، بل تقوم على نظام "المناوبات" المحكم والديناميكي الذي وضعته الدولة ممثلة فى وزارة الموارد المائية والري لضمان العدالة والكفاءة في التوزيع.
نظام "المناوبات".. علم وتخطيط وليس مصادفة
و تعتمد منظومة الري المصرية منذ عقود طويلة على توزيع حصص المياه عبر نظام يتناوب فيه الري بين فترات "العمالة" (الفتح وإطلاق المياه) وفترات "البطالة" (الإغلاق لإعادة التوازن المائي)، و هذا النظام الفني ليس مجرد إجراء إداري، بل هو معادلة هندسية دقيقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ "نوعية المحاصيل المنزرعة" حيث تختلف الاحتياجات المائية للمحاصيل الاستراتيجية كالذرة والقطن عن المحاصيل الشديدة الشغف بالمياه مثل الأرز، و المواعيد المقررة للري موضوعة بما يتناسب مع مراحل نمو المحصول لضمان أعلى إنتاجية دون هدر للمياه، ولذلك هناك تحديد صارم لمساحات الأرز حيث تخطط الدولة سنوياً المساحات المسموح بزراعتها بمحصول الأرز وتحدد الترع ذات الزمامات المخصصة له بناءً على دراسات مائية وديموغرافية، منعاً للتعدي على حصص الأراضي المجاورة.
ويؤكد الخبراء أن التوزيع المائي يخضع لقواعد هندسية صارمة لتأمين احتياجات كافة الأراضي الزراعية بزمام الجمهورية، والمساس بهذه القواعد يؤدي إلى خلل بضغط شبكة الترع بأكملها.
وزير الري يؤكد أن اقتطاع الصور من سياقها "تضليل متعمد"
وفي هذا السياق، حسم الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، الجدل المثار مؤخراً حول وجود جفاف في بعض الترع، مؤكداً أن نشر صور ومقاطع فيديو للترع في أوقات "مناوبات الغلق" واقتطاعها من سياقها لإظهارها جافة، هو تضليل متعمد وإثارة للغط غير المبرر.
وأوضح الوزير أن فترات الإغلاق إجراء دوري طبيعي لإعطاء الفرصة للمجاري المائية الأخرى لاستيفاء حصتها، مشدداً على أن الوزارة لن تتهاون مع مروجي الشائعات، وتتخذ بالفعل كافة الإجراءات القانونية ضد المنابر والصفحات التي تتعمد تشويه الجهود الميدانية لرجال الري الذين يعملون على مدار الساعة.
نموذج عملي: حقيقة فيديو "ترعة المعصرة" ببني سويف
ولعل ما شهدته "ترعة المعصرة" التابعة لهندسة الواسطى بمحافظة بني سويف يجسد حقيقة هذا التضليل، فقد تم تداول مقطع فيديو يصور الترعة وهي خالية من المياه.
وبالفحص والتحقيق الإداري، تبين أن الفيديو تم تصويره خلال فترة "البطالة والغلق" الرسمية للنظام الثلاثي المعمول به بالترعة (5 أيام فتح مقابل 10 أيام غلق).
وفور بدء فترة "العمالة والفتح" المقررة، تم إطلاق المياه بالتصرفات والمناسيب الكافية، ووصلت المياه بالفعل إلى نهايات الترعة وحُسمت الشكوى نهائياً، مما يؤكد أن المنظومة تعمل بانضباط تام وفق جدول زمني محدد مع مراقبة ميدانية مستمرة من المهندسين والفنيين.
آلية نظام المناوبات المائية
يتناوب نظام المناوبات المائي بانتظام بين مرحلتين رئيسيتين تتكاملان لضمان كفاءة التوزيع؛ حيث تبدأ فترة العمالة (الفتح) بضخ المياه بالمناسيب والتصرفات المقررة هيدروليكياً، بهدف وصول التدفقات المائية حتى نهايات الترع وري كافة المحاصيل المقررة بالقطاع.
وتليها فترة البطالة (الغلق) التي يُجرى خلالها إغلاق المآخذ والمجاري المائية بشكل دوري، لإعادة التوازن المائي للشبكة وتحويل الحصص المقررة إلى القطاعات والترع المجاورة وفقاً للجدول المعروف.
جهود صيانة الشبكة والتحول للري الحديث
ولا تقتصر جهود الدولة على إدارة المناوبات فقط، بل تمتد لتشمل صيانة وتطهير المجاري المائية بصفة دورية لرفع كفاءة الشبكة القومية للري، حيث تواصل أجهزة الوزارة نزع الحشائش ورفع المخلفات لضمان سريان المياه بسلاسة دون إعاقات.
كما تتكامل هذه الجهود مع خطة الدولة للتوسع في استخدام نظم الري الحديثة والتحول من الري بالغمر إلى الري بالتنقيط والرش، فضلاً عن تأهيل المساقي والتوسع في تطبيقات تطبيقات الذكاء الاصطناعي والمراقبة الرقمية للترع، وهو ما يسهم في ترشيد الاستهلاك وتقليل الفاقد وتأمين استمرار وصول المياه إلى نهايات الترع بكفاءة أعلى.
دعوة للالتزام والشراكة المسؤولة
و تؤكد وزارة الموارد المائية والري أن الوضع المائي في مصر مستقر وأن المحاصيل الزراعية بحالة جيدة، ويبقى الرهان الأكبر على وعي المزارعين والتزامهم بمواعيد المناوبات والمساحات المقررة للمحاصيل، والابتعاد عن الانسياق وراء المواد المصورة التي تبث دون مراعاة للسياق الفني، ضماناً لوصول قطرة المياه لكل مستحقيها بشفافية وعدالة.