في كتابها "أخبروهم أنها هنا.. بحثًا عن ملكة مليحة"، لا تكتفي الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي بتتبع أثر موقع أثري أو استعادة سيرة ملكة غابت عن صفحات التاريخ، بل تنسج عملاً استثنائيًا يقف عند حدود الأدب والتاريخ والروح، حيث تتحول الصحراء إلى ذاكرة حية، والحجارة إلى شهود، والغياب إلى سؤال مفتوح لا يتوقف عن ملاحقة القارئ.
هناك كتب تقرأ بحثا عن معلومة، وأخرى تقرأ بحثا عن متعة السرد، لكن قليلا ما يصادف القارئ كتابا يجعله يشعر منذ صفحاته الأولى أنه يعبر بوابة بين عالمين، عالم التاريخ الموثق، وعالم الحدس الذي يوقظ الأسئلة أكثر مما يقدم الإجابات، هذا تحديدا ما تفعله الشيخة بدور القاسمي في كتابها "أخبروهم أنها هنا.. بحثا عن ملكة مليحة"، إذ لا تكتب عن الآثار بوصفها بقايا حجرية، ولا عن الصحراء باعتبارها فضاء جغرافيا، وإنما تنظر إليهما بوصفهما كائنين نابضين بالحياة، يحتفظان بأسرار البشر، ويختزنان أصوات من مروا فوق هذه الأرض قبل آلاف السنين.
منذ العنوان، ينجح الكتاب في بناء حالة من الفضول، فالجملة الآمرة "أخبروهم أنها هنا" تبدو للوهلة الأولى لغزًا لا يملك القارئ مفتاحه، من هي؟ وأين هي؟ ومن المخاطب بهذا النداء؟ لا يمنح النص إجابة مباشرة، بل يجعل من هذا السؤال محركا للحكاية كلها، وكأن القارئ مدعو لأن يرافق الكاتبة في رحلة تتداخل فيها الاكتشافات الأثرية مع الرؤى، والوقائع العلمية مع الإشارات الصوفية، والبحث الأكاديمي مع التأملات الإنسانية.
ولعل أول ما يلفت الانتباه أن الشيخة بدور القاسمي لا تتعامل مع الكتابة بوصفها توثيقا للماضي، بل باعتبارها فعل إنقاذ للذاكرة، فهي لا تبحث عن قبر مجهول أو ملكة منسية فحسب، وإنما تحاول استعادة العلاقة التي انقطعت بين الإنسان وأرضه، وبين الحاضر وأسلافه، وبين التاريخ وما بقي منه في الوجدان، لذلك يخرج الكتاب من إطار "أدب الرحلات" أو "السيرة الذاتية" أو "الكتابة الأثرية" ليؤسس لنص هجين يصعب إخضاعه لتصنيف واحد، فهو رحلة داخل المكان، ورحلة داخل الذات في آن واحد.
في معظم الكتب التي تتناول المواقع الأثرية، تبقى الأرض مجرد مسرح تدور عليه الأحداث، أما هنا فإن الصحراء نفسها تتحول إلى الشخصية الأكثر حضورا، ليست خلفية صامتة، بل كائن حي يتنفس، ويخفي، ويبوح، ويختبر زواره، ويمنحهم من أسراره بقدر ما يمنحونه من الإصغاء.
تمتلك الكاتبة الشيخة بدور القاسمى قدرة لافتة على إعادة تشكيل المكان باللغة، فالكثبان ليست رمالا متحركة، وإنما صفحات من كتاب مفتوح، والجبال ليست كتلا صخرية، بل ذاكرة شاهقة، والنار التي تضيء ليالي مليحة لا تؤدي وظيفة الدفء فقط، بل تتحول إلى معلم روحي، وإلى مرآة ترى فيها الكاتبة نفسها وأسلافها في اللحظة ذاتها.
هذا الحس الأدبي يجعل القارئ يعيش المكان بدلا من أن يقرأ وصفه، فالمشهد عند الشيخة بدور القاسمى لا يبنى بالمعلومة، وإنما بالصورة، إنها تكتب بعين روائية، ووجدان شاعرة، ودقة باحثة في علم الآثار، وهي معادلة نادرة قلما تجتمع في عمل واحد.
أحد أهم أسرار تميز كتاب "أخبروهم أنها هنا.. بحثا عن ملكة مليحة" أنه لا يخجل من الجمع بين ما يبدو متناقضا، فمن ناحية، يعتمد على سنوات من الدراسات الأثرية، وتقارير الحفائر، ومراجع الأنثروبولوجيا، وحوارات مع علماء الآثار، ومن ناحية أخرى يفسح مساحة واسعة للرؤى والأحلام والإشارات الروحية، مستحضرا أقوال جلال الدين الرومي وحكم المتصوفة، ليجعل من الرحلة الأثرية رحلة في المعرفة الباطنية أيضًا.
ومن هنا تبدو مليحة أكثر من موقع أثري، إنها فضاء تتجاور فيه الحقيقة والأسطورة، ويصبح فيه الحدس بابا يفتح الطريق أمام البحث، لا بديلًا عنه، فلا يمضي القارئ بعيدا حتى يجد نفسه أمام أكثر مشاهد الكتاب إثارة، ذلك النداء الذي تسمعه الكاتبة في جبال كلباء: "أخبروهم أنها هنا.. أخبروهم أنها هنا"، لا تقدمه بوصفه حدثا خارقا بقدر ما تصوغه باعتباره لحظة فارقة غيرت مسار حياتها، وأعادت توجيه اهتمامها العلمي والإنساني نحو سؤال واحد من التي تنادينا من وراء القرون؟
هنا تؤكد براعة البناء السردي، فالكاتبة لا تتعجل الإجابة، بل تترك السؤال يتضخم مع كل صفحة، وحين تعثر على قبر فوق الجبل، لا تتعامل معه باعتباره كشفا أثريا جديدا، بل بوصفه بداية حكاية أكبر، ومن أجمل ما يرد في هذا السياق قولها إنها لم تجد القبر، بل إن "القبر هو الذي وجدها"، وهي عبارة تختصر فلسفة الكتاب بأكمله، حيث يبدو المكان وكأنه يختار من يصغي إليه، لا من يمر فوقه.
ومع دخول علماء الآثار إلى المشهد، ينتقل النص من التأمل إلى البحث العلمي، دون أن يفقد حسه الأدبي، فكل كتشاف يفتح بابًا لسؤال جديد، وكل إجابة تقود إلى لغز أكثر عمقا، وكأن الكاتبة تريد أن تقول إن التاريخ الحقيقي لا يقوم على اليقين وحده، بل على الأسئلة التي لا تتوقف.
إذا كان القبر هو نقطة الانطلاق، فإن الملكات هن القلب الحقيقي للكتاب، فالشيخة بدور القاسمي لا تبحث عن أسماء ملوك غزاة أو قادة جيوش، وإنما تفتش في الطبقات المنسية من التاريخ عن النساء اللواتي أسهمن في صناعة الحضارة، ثم تراجعن إلى الهامش مع مرور الزمن، ومن هنا تبدأ رحلة تمتد من مليحة إلى آفاق الجزيرة العربية، حيث تستحضر شخصيات مثل بلقيس، وأروى، وماوية، وشمس، ولميس، لا لتروي سيرهن التقليدية، وإنما لتبحث في أثرهن الحضاري والرمزي.
ويطرح الكتاب سؤالا شديد الجرأة هل أخفى التاريخ أدوار النساء أكثر مما كشفها؟ وهل يمكن أن تكون بعض الممالك القديمة قد عرفت حاكمات لم يصلنا من أخبارهن إلا النزر اليسير؟ هذه الفرضية تمنح الكتاب بعدا فكريا معاصرا، دون أن يقع في المبالغة أو الخطابة، لأن الكاتبة تبقي الباب مفتوحا أمام البحث، ولا تحاول أن تفرض استنتاجاتها باعتبارها حقائق قاطعة.
أكثر ما يميز هذا العمل، وربما أكثر ما يمنحه خصوصيته، أن كل صفحة تكاد تحمل صورة بلاغية أو استعارة قادرة على البقاء في ذاكرة القارئ، فالأرض تحتفظ بالذاكرة، والنار مرآة، والصحراء أمينة على أسرار بناتها، والنساء "ناسجات الوجود"، والحجارة تحفظ ما تعجز العظام عن الاحتفاظ به، ولعل هذا ما يجعل القارئ ينتقل بين صفحات الكتاب كما لو كان يتنقل بين فصول رواية، رغم أنه يقرأ عملا يستند إلى وقائع ومراجع ودراسات أثرية حقيقية.
ولا يقف كتاب "أخبروهم أنها هنا.. بحثا عن ملكة مليحة" عند حدود التجربة الذاتية، بل يتحول تدريجيًا إلى مشروع للدفاع عن الذاكرة والتراث، فبين صفحاته لا تظهر مليحة مجرد موقع أثري يحتاج إلى الحماية، وإنما بوصفها سجلا مفتوحا لتاريخ الإنسان في هذه المنطقة، وشاهدا على حضارات تعاقبت فوق هذه الأرض وتركت آثارها في الرمال والحجارة والجبال.
وتبلغ هذه الفكرة ذروتها عندما تنتقل الكاتبة من الاكتشاف إلى الفعل، فتروي جانبا من الجهود التي قادت إلى حماية المواقع الأثرية، والعمل على تسجيل موقع "الفاية" ضمن قائمة التراث العالمي، هنا تتغير نبرة السرد، فبعد أن كان البحث رحلة فردية، يصبح مسئولية جماعية، ويتحول الدفاع عن المكان إلى دفاع عن ذاكرة الإنسانية نفسها.
وفي هذه الصفحات ينجح الكتاب في توصيل رسالة مهمة مفادها أن حماية التراث لا تبدأ عند المتاحف أو القوانين، وإنما تبدأ حين يدرك الإنسان أن الأرض التي يقف عليها ليست مجرد مساحة جغرافية، بل طبقات متراكمة من حكايات البشر، وأن العبث بها يعني محو جزء من تاريخهم.
وربما لا تنحصر أهمية هذا الكتاب في الأجوبة التي يقدمها بقدر ما تكمن في الأسئلة التي يوقظها، فهو يدعو إلى إعادة النظر في تاريخ المنطقة، وفي صورة المرأة داخل هذا التاريخ، وفي علاقتنا بالمكان والذاكرة، وفي الطريقة التي نتعامل بها مع المواقع الأثرية، لا باعتبارها بقايا من الماضي، بل باعتبارها جزءًا من هويتنا الثقافية، كما ينجح الكتاب في لفت الانتباه إلى أن كثيرا من الشخصيات النسائية التي أسهمت في صناعة الحضارة لم تنل ما تستحقه من البحث والتوثيق، وأن استعادة هذه السير ليست محاولة لإعادة كتابة التاريخ وفق أهواء معاصرة، بل دعوة لقراءته قراءة أكثر اتساعًا وإنصافًا.
ليس من السهل أن ينجح كاتب في الجمع بين لغة الشعر، ودقة البحث، ومتعة السرد، وعمق التأمل، دون أن يطغى أحدها على الآخر، غير أن الشيخة بدور القاسمي تحقق في "أخبروهم أنها هنا.. بحثا عن ملكة مليحة" هذا التوازن إلى حد بعيد، فتقدم عملا يتجاوز كونه كتابا عن موقع أثري أو ملكة منسية، ليصبح تأملا طويلا في معنى الجذور، وقيمة الذاكرة، والقدرة العجيبة للأرض على الاحتفاظ بأسرارها حتى يأتي من يحسن الإصغاء إليها، وحين يطوى القارئ الصفحة الأخيرة، يدرك أن النداء الذي افتتح به الكتاب "أخبروهم أنها هنا"، ليست مجرد عبارة تتردد في جبال مليحة، وإنما دعوة إلى إنقاذ ما تبقى من ذاكرة المكان، وإلى الإصغاء للأصوات التي غمرها غبار الزمن طويلًا، قبل أن يعيد الأدب إليها الحياة من جديد.