علا رضوان

اقتصاد الحافة المشتعلة.. حرب بلا أسلحة

الثلاثاء، 28 يوليو 2026 03:34 م


هناك مفارقة لا تخطئها العين حين تتأمل المشهد المصري في هذا العام: بلد لا يطلق رصاصة واحدة، ومع ذلك يعيش بكامل جوارحه في اقتصاد حرب.

لا جبهات مشتعلة على حدوده، لكن نيران الجوار تصل إليه عبر قنوات لا تحتاج إلى دبابات: سفينة تغيّر مسارها، وأنبوب غاز يُغلق، ورأس مال ساخن يفرّ في ليلة. هذه هي الحرب التي تخوضها مصر اليوم، حرب بالوكالة الاقتصادية، تُدفع فاتورتها بالجنيه والدولار لا بالدم. المدهش أن الدولة تحركت في هذه المعادلة الصعبة بقدر من الرشاقة يستحق التوقف عنده، دون أن يعني ذلك أن الطريق كان نظيفا أو أن الكلفة كانت رحيمة على المواطن. لنقرأ الخريطة بهدوء؛ فأول الضربات جاءت من قناة السويس، جوهرة الدولة ومصدر عملتها الصعبة، إذ انهارات إيراداتها التي بلغت ذروة قياسية عند نحو 10.2 مليار دولار في 2022/2023 إلى ما دون 4 مليارات مع إعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح هربا من مخاطر البحر الأحمر. ثم جاءت الجبهة الثانية بتوقف ضخ الغاز الإسرائيلي من حقلي تمار وليفياثان بنحو 1.1 مليار قدم مكعبة يوميا، في لحظة كانت فيها الشبكة الكهربائية المصرية تعتمد عليه اعتمادا بنيويا.

أما الجبهة الثالثة فكانت العملة، حين تراجع الجنيه إلى مستويات حول 50 جنيها للدولار مع خروج نحو 3.7 مليار دولار من الأموال الساخنة عبر السوق الثانوية، بينما كانت الرابعة هي فاتورة الطاقة المستوردة التي قاربت 20 مليار دولار بعدما تحولت مصر إلى مستورد صاف للطاقة.

أي واحدة من هذه الجبهات كفيلة وحدها بزعزعة اقتصاد نامٍ، واجتماعها كلها في آن واحد يخلق أزمة مركّبة بلا سابقة إقليمية قريبة، هنا تحديدا يظهر الوجه الذي يستحق قراءة منصفة، فلم تنكر الدولة الأزمة ولم تتجمل أمامها، بل أعلنت صراحة حزمة إجراءات ترشيدية فورية وصارمة في مارس شملت إغلاق المحال والمولات مبكرا، وخفض إنارة الطرق، ودراسة العمل عن بعد يوما أو يومين أسبوعيا، وهي قرارات صادقة مع طبيعة اللحظة وإن لم تكن شعبية.

وفي ملف الطاقة، لم يكن رد الفعل ارتجاليا بل سارعت الحكومة لتفعيل خطة طوارئ، وأبرمت عقود استيراد غاز مسال طويلة الأجل مع موردين عالميين، ووسّعت قدرات الاستقبال عبر محطات التغويز العائمة. والنتيجة الكلية لا تخلو من إشارات صمود حقيقية؛ فرغم كل ما سبق، سجّل الاقتصاد نموا يقارب 5.3% في النصف الأول من العام المالي الجاري، وتراجع التضخم من نحو 35% إلى ما دون 15% مع مسار متوقع نحو خانة الآحاد.

وحين لاحت بارقة تهدئة إقليمية، عادت إيرادات القناة لترتفع بنسبة 23% لتبلغ 4.67 مليار دولار في العام المالي 2025/2026، يُضاف إلى ذلك صفقة رأس الحكمة مع الإمارات بقيمة 35 مليار دولار، التي وفّرت في ضربة واحدة من النقد الأجنبي أكثر مما تدرّه القناة في ثلاث سنوات جيدة. هذا كله يستدعي إعجابا محسوبا بقدرة على المناورة تحت الضغط، دون أن ينزلق إلى مديح يتجاهل الثمن الذي دفعه المواطن والذي تحمّل الجزء الأكبر من كلفة الإصلاح.


لكن الإعجاب بحسن الإدارة لا يجوز أن يحجب السؤال الأعمق عن سبب اهتزاز مصر بهذه السرعة مع كل عطسة عالمية، والجواب يكمن في بنية الاقتصاد نفسه؛ حيث تُمثل الموارد الدولارية الأساسية - تحويلات المصريين في الخارج البالغة نحو 29.5 مليار دولار، والسياحة، وعوائد القناة - أكثر من 56% من إجمالي النقد الأجنبي، وهي ثلاث ركائز رهينة بلا استثناء للمزاج الجيوسياسي الخارجي. هذا ليس اقتصادا يقف على قدميه، بل يستند إلى جدار الجيران وما إن يهتز حتى يترنّح البيت كله، وقد حذّر صندوق النقد الدولي نفسه من أن تشديد ظروف التمويل العالمية قد يُبطئ التعافي. وهنا مكمن الدرس؛ فالبارعة في إدارة الأزمة ضرورية، لكنها إدارة عرَض لا علاج مرض، ومن يجيد إطفاء الحرائق لا يعني بالضرورة أنه بنى بيتا لا يشتعل. لهذا أزعم أن لا مخرج استراتيجيا سوى الاكتفاء من الاحتياجات الأساسية باعتباره ضرورة بقاء لا شعارا وطنيا، فالدولة التي تستورد قمحها وغازها ودواءها تضع رقبتها الطوعية تحت رحمة سلاسل إمداد لا تملك من أمرها شيئا.

البشائر موجودة والاتجاه صحيح، فقد أعلنت مصر اقترابها من الاكتفاء الذاتي من السكر اعتبارا من مطلع 2026 مع احتياطي تمويني يكفي 13 شهرا، وتستهدف نحو 70% اكتفاء ذاتيا من المحاصيل الاستراتيجية بحلول 2030، بل بلغت الاكتفاء الذاتي من الصلب المدرع في الإنتاج الحربي. هذه خطوات على الطريق الصحيح، لكنها ما زالت جُزُرا في بحر من الاعتماد، فأكثر من نصف احتياجات القمح والذرة ما زال مستوردا.. كيف ونحن نملك كل هذه الاراضي والاكتفاء الذي أعنيه ليس انغلاقا ولا اكتفاء ذاتيا رومانسيا يعادي التجارة، بل هو أن نملك رغيفنا وطاقتنا ودواءنا فلا نُبتزّ بها في لحظة ضعف، وأن نحوّل الأزمة الحالية من عبء إلى حافز يعيد ترتيب الأولويات من اقتصاد يعيش على الريع الجغرافي - قناة وموقع وتحويلات - إلى اقتصاد ينتج ما يأكله ويشغّل ما يحتاجه. مصر اليوم تدير الجمر بأطراف أصابعها بمهارة تستحق التقدير، لكن المهارة في حمل الجمر لا تغني عن إطفائه، والإدارة الرشيدة اشترت الوقت، والوقت المُشترى بلا استثمار في الاكتفاء يُنفق ولا يُدّخر. الحرب التي لا نخوضها بالسلاح نخوضها بالمخزون الاستراتيجي والحقل والمصنع، ومن لا يملك قوته لا يملك قراره.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة