رحل أربعة من أبنائها فى ريعان الشباب.. أم رمضان حكاية صبر لا تنتهى.. 35 عامًا من الكفاح بدأت بأنبوبة واحدة.. تجوب الشوارع يوميًا لتداوى أوجاعها.. ولم يبق لها من أمنيات الدنيا سوى دعوة صادقة بالرحمة لأبنائها

الثلاثاء، 28 يوليو 2026 04:00 ص
رحل أربعة من أبنائها فى ريعان الشباب.. أم رمضان حكاية صبر لا تنتهى.. 35 عامًا من الكفاح بدأت بأنبوبة واحدة.. تجوب الشوارع يوميًا لتداوى أوجاعها.. ولم يبق لها من أمنيات الدنيا سوى دعوة صادقة بالرحمة لأبنائها أم رمضان بائعة الأنابيب بالجيزة

كتبت - مرام محمد

هناك وجوه لا تخبرك بما مرّت به، وابتسامات لا تكشف حجم المعارك التي انتصرت عليها… هكذا تبدو "أم رمضان"، السيدة الستينية التي تجوب شوارع الجيزة كل صباح على متن تروسيكل يحمل أنابيب البوتاجاز، بينما يحمل قلبها حكاية أثقل من كل ما ترفعه يداها.

من يراها اليوم لن يتخيل أن خلف ابتسامتها الهادئة أمًا ودّعت أربعة من أبنائها، واحدًا تلو الآخر، وهم في ريعان الشباب... لم يكن الفقد محطة عابرة في حياتها، بل رفيقًا طويلًا ترك أثره في القلب، دون أن ينجح يومًا في انتزاع قدرتها على مواصلة الطريق.

1-(5)
أم رمضان بائعة الأنابيب بالجيزة
 
لم تنكسر "أم رمضان"، ولم تسمح للألم أن يعزلها عن الحياة، واختارت أن تجعل من العمل ملاذًا، ومن الحركة بين الشوارع وسيلتها لمقاومة الذكريات، مؤمنة بأن الغائبين لا يعيدهم الحزن، وأن الحياة لا تتوقف مهما اشتدت قسوتها.

وإلى جوارها، يجلس طفل لم تنجبه ولم تجمعه بها صلة دم، لكنه أصبح رفيق رحلتها اليومية، يحملان أنابيب البوتاجاز معًا، ويتقاسمان مشقة الطريق، حتى غدا حضوره جزءًا من حياتها، كما غدت هي بالنسبة إليه سندًا وأمانًا.

1-(12)
أم رمضان بائعة الأنابيب والطفل طارق
 
ورغم ثقل الحكاية، لا يعرفها أهل الجيزة إلا بوجهها البشوش، وكلمتها الطيبة، وحرصها على مساعدة الآخرين، يحيونها بمحبة أينما مرت، لأنها لم تسمح لوجعها أن يسبقها إلى الناس، بل تركت للخير أن يتحدث عنها، ولرحلتها اليومية أن تروي حكاية امرأة واجهت الفقد بالرضا، والعمل، والإيمان.
 
1-(2)
أم رمضان بائعة الأنابيب

تعود "أم رمضان" بذاكرتها إلى بداية الرحلة، إلى الأيام التي لم يكن تملك فيها سوى أنبوبة واحدة، فتبتسم وهي تقول: "أول ما بدأنا... بدأنا بأنبوبة واحدة، منها كبر الشغل، واتفتح بيتنا وربينا ولادنا"، هكذا بدأت حكاية امتدت لأكثر من 35 عامًا، لم تعرف خلالها طريقًا غير الكفاح، حتى أصبحت أنابيب البوتاجاز جزءًا من يومها، ووسيلتها لبناء بيتها وأسرتها، لذلك تفخر بأنها لم تمد يدها لأحد يومًا، وتردد: "عمري ما قلت لحد اديني جنيه، طول عمري باشتغل من دراعي، ولو الشغل 24 ساعة ما أقولش لأ".

1-(10)
أم رمضان بائعة الأنابيب بالجيزة
 
لكن الرحلة التي بدأت بأنبوبة واحدة، حملت معها اختبارًا لم تكن تتخيل أن يمر على قلب أم... تستعيد أسماء أبنائها الأربعة واحدًا تلو الآخر، وكأنها تقلب صفحات عمرها؛ أحمد الذي رحل إثر سكتة قلبية، ثم عيد الذي توفي في حادث، وبعده محمد الذي فارق الحياة بعد حصوله على حقنة لتضخيم العضلات، بينما كان يستعد للزواج، وأخيرًا رمضان الذي رحل قبل عام بعد إصابته بحمى فيروسية. تصمت للحظات، ثم تختصر كل ذلك الألم في كلمات قليلة: "ربنا اختبرني في ولادي اختبار صعب... محدش يستحمله، لكن الحمد لله على كل حال".
 
1-(7)
أم رمضان ومحررة اليوم السابع
 
منذ ذلك الوقت، لم يعد العمل بالنسبة لها مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل أصبح وسيلتها الوحيدة لمقاومة الحزن، تستيقظ مبكرًا، وما إن تقترب الساعة التاسعة صباحًا حتى تكون في طريقها إلى السوق، لتقضي يومها بين ورديتين؛ صباحية ومسائية، وكأنها تملأ ساعات يومها حتى لا تترك مساحة للذكريات. وتقول: "أنا لاقية نفسي في الشغل علشان أنسى، لو قعدت في البيت أو حطيت راسي على المخدة، أفضل أفتكر ولادي الأربعة طول الليل ومقدرش أنام، وحتى وأنا ماشية في الشارع، أول ما أفتكرهم، قلبي بيتشق نصين... لكن ربنا هو اللي بينزل الصبر، والشغل هو اللي بيخليني أكمل".
 
1-(9)
أم رمضان تعمل في بيع الأنابيب منذ 35 عامًا
 
ورغم أن بيع أنابيب البوتاجاز من المهن الشاقة التي يعجز كثيرون عن تحملها، فإنها لم تعتبر يومًا أن مشقة الطريق سببًا للتراجع... بين حمل الأنابيب، وصعود السلالم، والتنقل بها من شارع إلى آخر، أنهك العمل جسدها، لكنه لم يثنِ عزيمتها، فتقول بابتسامة يختلط فيها التعب بالفخر: "الشغل ده قطمة ضهر... لكن عمري ما قلت هسيبه، ولا فكرت أسيبه يوم. طول ما فيا نفس هشتغل".
 
1-(4)
أم رمضان من أمام مستودع الأنابيب
 
وبالنسبة إليها، لم يعد التعب هو الأصعب، بل الفراغ، فمشقة حمل الأنابيب، مهما كانت قاسية، أهون عليها من لحظة تجلس فيها وحدها، فتداهمها وجوه أبنائها وذكرياتهم، لذلك تتمسك بالعمل، لا لأنه مجرد مهنة، بل لأنه المساحة التي تمنح قلبها هدنة قصيرة من الحنين.
 
1-(1)
أم رمضان بائعة الأنابيب
 
وفي رحلتها اليومية لا تكون وحدها، فيرافقها طارق، الشاب الذي دخل بيتها طفلًا صغيرًا بعدما عهد به والده إليها، فربته كما لو كان أحد أبنائها، وإلى جواره أحمد، حفيدها نجل ابنها الراحل أحمد، وكذلك ابنها الوحيد وليد، يتقاسمون جميعًا حمل الأنابيب ومشقة الطريق، حتى أصبح التروسيكل بيتًا صغيرًا يجمعهم كل يوم. وعن طارق تقول: "أبوه ادهولي وهو طفل، وربيته على إيدي، وكبر قدام عيني، الحمد لله بقى راجل، وهو اللي شايل معايا الشغل وواقف في ضهري".
 
1-(13)
أم رمضان والطفل طارق
 
وفي حديثها عن رحلتها، لا تنسى شريك العمر الذي رافقها منذ تزوجته وهي في الثالثة عشرة من عمرها. معه بدأت رحلة الكفاح، ومعه، كما تقول، رأت "كل حاجة حلوة"، ورغم إلحاحه الدائم عليها بأن تترك العمل وتستريح، فإنها تتمسك بالاستمرار، لأن العمل أصبح دواءً لقلبها قبل أن يكون مصدرًا للرزق. وتقول: "دايمًا يقولي كفاية شغل، ارتاحي... لكن لو قعدت هفتكر اللي حصل لولادي. الشغل هو اللي بيشغل وقتي وينسيني".
 
1-(3)
أم رمضان بائعة الأنابيب بالجيزة
 
ورغم أن الفقد لا يغيب عن قلبها، فإن الله، كما تؤمن، يمنحها عزاءً يخفف عنها وطأة الغياب، ففي كثير من الليالي، وبعد عودتها من العمل، تقف تدعو ربها أن يطمئن قلبها برؤية أبنائها في المنام. وتبتسم وهي تقول: "أقوله يا رب أنا راضية، بس نفسي أشوفهم. والحمد لله، بشوفهم... لابسين أبيض في أبيض، وشكلهم زي الورد، وده فضل كبير من ربنا عليا".
 
1-(6)
أم رمضان بعد يوم شاق في حمل الأنابيب
 
ولا تنظر "أم رمضان" إلى الدنيا بعين الغضب، بل بعين من عرف حقيقتها، تؤمن أن العمر أقصر من أن يضيعه الإنسان في الخصام أو الاتكال على الآخرين، لذلك تردد دائمًا: "كل واحد يركز على أكل عيشه، ويبص لأولاده، ويعمل لنفسه مستقبل، وما يتكلش على حد.. الدنيا فانية، والناس بتبيت ما تصبحش، ومفيش حاجة مستاهلة".

ثم تضيف، وكأنها تلخص رحلة عمر كاملة: "اللي بيفضل هو الكلمة الحلوة، والمعروف، ومحبة الناس... دي الكنز الحقيقي".

1-(8)
أم رمضان بائعة الأنابيب بالجيزة
 
ولا تخفي امتنانها للمحبة التي تحيطها بها شوارع الجيزة، فتقول: "ربنا رزقني بمحبة الناس، كل ما واحدة تشوفني تقول لي: ربنا يصبر قلبك يا أم رمضان. وكل اللي نفسي فيه إن اللي يشوف قصتي يترحم على ولادي".
 
1-(2)
أم رمضان تحمل الأنابيب منذ 35 عامًا

ولا تحمل "أم رمضان" أمنية لنفسها بقدر ما تحمل أمنية لأبنائها؛ أن يترحم عليهم كل من يسمع حكايتها. أما هي، فقد حسمت قرارها منذ سنوات، وتقولها بنفس الرضا الذي بدأت به حديثها: "هفضل أشتغل لحد ما راسي تتحط في التراب... وأروح لأولادي".

2
أم رمضان ومحررة اليوم السابع

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة