دندراوى الهوارى

«غزو مصر».. كيف تحول الوطن فى دستور جماعة الإخوان إلى أرض تنتظر الفتح؟

الإثنين، 27 يوليو 2026 12:00 م


فى أوائل ديسمبر 2005 ظهرت وثيقة خطيرة كانت تُغلق عليها أبواب خزائن جماعة الإخوان بإحكام، تتحدث عن مشروع «فتح مصر» وعليها توقيع خيرت الشاطر «مهندس» مخططات الجماعة، وكان باكور نجاح المشروع - من وجهة نظر الجماعة - حصد 88 مقعدا فى مجلس الشعب حينها، ومن ثم قررت تنفيذ المشروع بالسيطرة الكاملة على كل مفاصل الدولة، وفى كل نجع وقرية وحارة ومدينة ومحافظة، ولم تترك شيئا إلى وقررت التواجد فيه بفاعلية؛ ويرجع الفضل فى كشف هذه الوثيقة السوداء، للصحفى الكبير حمدى رزق، ورغم أن الجماعة حينها وبعد النشر وصداه الكبير والصاخب الذى أحدثه، إلا أن الجماعة تنكرت من هذه الوثيقة وشنت حربا ضروس ضد الأستاذ حمدى رزق، وذهبت إلى ساحة القضاء لمحاكمته، لكن القضاء العادل الشريف، أنصفه، وأثبت أن الوثيقة صحيحة.


هذه الوثيقة الخطيرة تكشف أن هناك أفكارا لا تحتاج إلى شرح مستفيض، حتى تفضح نفسها بنفسها، فمجرد النطق بها يكفى لكشف ما وراءها من تصورات ومواقف وعقائد ومآرب سياسية، ما يدفعنا للسؤال الثقيل ثقل الجبال: كيف لجماعة نشأت على أرض مصر ونهلت من خيراتها، وتدعى العمل من أجلها، أن تتحدث عن «فتحها» وكأنها بلد أجنبى يستحق الغزو والاحتلال ومعاملة شعبه باعتبارهم محتلين؟


مصطلح الفتح فى الوعى التاريخى والسياسى والعسكرى، لا يستخدم إلا لفتح أرض خارج سلطان الفاتح، ولا تُفتح الأوطان من أبنائها، وتفتح الأوطان من جيوش خارجية معادية؛ ومن ثم فإن مجرد استخدام جماعة الإخوان لمصطلح «فتح مصر» لا يمكن اعتباره زلة لغوية أو تعبيرا عابرا، وإنما يدلل على رؤية أعمق، تعتبر الجماعة ذاتها صاحبة مشروع جوهره الاحتلال والغزو والفتح، باعتبار أن مصر دولة لا تمت لهم بأى صلة، مجرد غنيمة يجب اقتناصها.


الوثيقة، وغيرها من المخططات العدوانية التى لا تعد ولا تحصى، تؤكد أن الإشكالية الجوهرية فى فكر الإخوان، ليست خلافا سياسيا حول برامج الحكومة المصرية، أو سياستها الاقتصادية، وإنما الخلاف الجوهرى يكمن فى طبيعة العلاقة بين التنظيم والوطن!


الدولة الوطنية جوهر دستورها ويقينها أن جميع المواطنين شركاء فى الوطن، وأن الشرعية تنبع من الدستور والقانون والإرادة الشعبية، أما جماعة الإخوان باعتبارها تنظيما عقائديا، فإنها مغلقة على أعضائها، والولاء الكامل للتنظيم وأفكاره، وهو ما يتسق تماما مع ما دشنه منظر الجماعة القوى والأهم، سيد قطب، عندما قال: «ما الوطن إلا حفنة من تراب عفن»، كما يتسق أيضا مع بذاءة مرشد الجماعة الراحل، مهدى عاكف، عندما قال فى تصريح صحفى مسجل بصوته: «طظ فى مصر».  

 
وانطلاقا من هذه الحقائق الثابتة، فإن الوطن فى عقيدة هذه الجماعة، مجرد ساحة لتنفيذ مشروعهم، لا قيمة مستقلة له خارج حدود هذا المشروع - الفكرة الكبرى - الذى يحمله التنظيم، وهنا يظهر الفارق الهائل بين من يرى الوطن غاية، ومن يراه وسيلة لتحقيق أهدافه!
المثير للدهشة، أنه فى الوقت الذى نفت فيه جماعة الإخوان علاقتها بوثيقة «فتح مصر» فى 2005 وأقامت حينها الدنيا ولم تقعدها لتتنصل منها، عادت خلال الأيام القليلة الماضية، ليردد عناصرها فى الخارج، للمصطلح ذاته «فتح مصر» وبدأ التدشين له بقوة، وهو ما يؤكد أن هذا المصطلح، لم يكن مجرد شعار انتخابى أو عبارة حماسية يرددها أعضاؤها، وإنما هو مشروع فكرى!  


المثير للحنق، أن مصر دولة مسلمة منذ أكثر من 14 قرنا، وأن أبرز منارة إسلامية على أرضها وهو الأزهر الشريف، والمساجد تملأ الأرض شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، ومع ذلك تأتى جماعة وقحة لتدشن مشروع «فتح مصر» وكأنها بلد الكفر والإلحاد؟


هذا التصور الخطير لجماعة الإخوان، عندما تصل إلى الحكم، فإنها لا تتعامل مع مؤسسات الدولة باعتبارها ملكا للجميع، وإنما باعتبارها أدوات تخدم على مشروعها، وتنفذ مخططاتها!


لذلك عندما كانت مصر تحت قبضة هذا التنظيم فى السنة السوداء 2012 دخلت البلاد فى معركة جدلية مخيفة، حول قضايا الهوية والتمكين والسيطرة على المؤسسات، حيث شعر المصريون بأن الجماعة استأثرت بالوطن، واعتبرته غنيمة، والنتيجة إعلان المصريين عن سخطهم وغضبهم ورفضهم لهذا المشروع الباحث عن اختطاف الوطن، وضمه لكيان وهمى يطلق عليه أستاذية العالم، فيه المواطن الأفغانى وعضو بالجماعة أفضل من المسلم المصرى الذى لا ينتمى للتنظيم، وهو ما تصادم بعنف مع عقيدة المصريين القائمة على إعلاء الانتماء الوطنى الجامع، فوق كل الاعتبارات الأخرى، ورفض أى محاولة لوضع التنظيم فوق الدولة، مهما تكلف الأمر، فكانت ثورتهم الهادرة فى 30 يونيو 2013 وطرد الجماعة من المشهد العام برمته.  


أخطر ما فى مشروع جماعة الإخوان الموثق «فتح مصر» أنه لا يكتفى بمنح الشرعية للتنظيم، وإنما يسحبها ضمنيا من الدولة الوطنية، فى تقاطع مخيف مع عقيدة المصريين التى أثبتت التجربة أنهم قد يختلفون حول كل شىء، لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة، أن مصر أكبر من أى جماعة، وأبقى من أى تنظيم، وأعمق جذورا من أى مشروع أيديولوجى عابر.


مصر طوال تاريخها لم تكن أرضا بلا أصحاب، ولم تكن فى حاجة لفتح، وستظل بلدا ملك شعبها المؤمن بأن الانتماء لها يسبق الانتماء لأى شىء آخر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة