في إحدى الأمسيات الصيفية في مدينة هلسنكى عاصمة فنلندا، حيث ننتظر دفء المدينة في الساعات الأخيرة من اليوم على عكس المعتاد في بلادنا، تنشط آشعة الشمس في السابعة مساءً، تبدو زيارة نصب سيبليوس فرض واجب على كل زائر للمدينة البعيدة.
فبعد انتهاء جدول دبلوماسي مزدحم باللقاءات الرسمية في العاصمة الفنلندية "هلسنكي"، قررت زيارة أهم المعالم السياحية في المدينة، ولم تكن تفاصيل جدول أعمالي تشير إلى أنني على موعد مع واحدة من أغرب قصص الفن والسياسة في القرن العشرين.
لم أكن أعلم أن الهيكل المعدني الذي ألمحه من بعيد بين أشجار الصنوبر شاهقة الارتفاع، كان في يوم من الأيام سبباً في ثورة غضب شعبية كادت أن تطيح بوزراء وتغير شكل الفن في البلد السكندنافي الهادئ.

تمثال سيبليوس فى هلسنكى
صدمة اللقاء الأول.. أنابيب من الفولاذ تحاكي السماء
وعندما تقترب من النصب التذكاري، لا تقابل تمثالاً تقليدياً لملك أو قائد يمتطي جواداً، بل تقف مذهولاً أمام هيكل فضي ضخم يزن أكثر من 24 طناً، يتكون من نحو 600 أنبوب صلب من الفولاذ المقاوم للصدأ، ملتحمة معاً بأطوال ومستويات مختلفة، لتشكل ما يشبه موجات صدمة صوتية متجمدة في الهواء، أو أنابيب «أورغن» كنسي معلق بين السماء والأرض.
بدأت أبحث عن القصة المحرمة خلف هذا الجمال الهندسي، فالحقيقة أن هذا النصب لم يستقبل بالورود في بدايته ، بل استقبل بـ «عاصفة من السخط الاجتماعي».
تعود القصة إلى عام 1957، حين توفي الموسيقار الأسطوري جان سيبليوس، الذي يعد بمثابة الأب الروحي لاستقلال فنلندا عن الإمبراطورية الروسية، حيث كانت معزوفته الشهيرة «فنلنديا» هي النشيد السري للثورة.
.jpeg)
الموسيقار جان سيبليوس
أعلنت الدولة وقتها عن مسابقة لتخليد ذكراه، وفازت بها الفنانة الجريئة إيلا هيلتونين، لكن إيلا لم ترغب في صنع مجرد تمثال برونزي رجل يجلس على كرسيه، بل قالت كلمتها الشهيرة: «سأحاول نحت الموسيقى نفسها، لا الموسيقار»، وكأنها فتحت باب الجحيم في هلسنكي، فقد شنت الصحافة المحلية هجوماً كاسحاً، وخرج المواطنون في مظاهرات غاضبة، متسائلين بتهكم: "كيف نكرم بطلنا القومي بمجموعة مواسير معدنية صماء تذكرنا بمصانع الحديد والصلب؟ أين وجه سيبليوس؟ أين ملامحه؟، ووصل التوتر إلى أروقة البرلمان، وتعرضت الفنانة لضغوط هائلة لإلغاء المشروع أو تغييره بالكامل.
.jpeg)
نصب سيبليوس من الداخل
وأمام هذا الحصار الشعبي والإعلامي، أظهرت النحاتة ذكاءً لا يقل عن الحنكة الدبلوماسية، فلم تستسلم ولم تلغِ فكرتها التجريدية، بل أضافت تنازلاً ذكياً: صممت تمثالاً نصفياً لوجه جان سيبليوس واستقرت به على صخرة مجاورة للأنابيب.
وامتص هذا الدمج العبقري بين الفن الحديث (الأنابيب التي تجسد الموسيقى) والفن الكلاسيكي (وجه الموسيقار) غضب الشارع، وتم افتتاح النصب رسمياً عام 1967، ليتحول مع مرور العقود من أكثر النصب المغضوب عليها إلى الرمز الوطني الأول والوجهة السياحية الأكثر تصويراً في فنلندا.
.jpeg)
النصب من الداخل
اللحظة السحرية.. عندما تعزف الرياح نيابة عن سيبليوس
وخلال وقوفي أسفل الهيكل الفولاذي، والنظر إلى الأعلى داخل الأنابيب المجوفة لرؤية انعكاس الضوء على التجويفات الدائرية، تجد السحر الحقيقي، حين تمر الرياح الباردة القادمة من خليج فنلندا القريب، فتبدأ الأنابيب في إصدار أصوات وهمسات خفيفة، نغمات تشبه صدى الأورغن أو صفير الرياح بين التلال، لأدرك وقتها أن النصب لا يكتفي بتخليد سيبليوس، بل يستعير روح الطبيعة الفنلندية ليعزف ألحانه بنفسه كلما هبت الرياح.
والملفت للانتباه أيضًا أنه وحتى اليوم، تقف النسخة المصغرة من هذا النصب في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، كشاهد دائم على أن الفن الحقيقي مثل الدبلوماسية تماماً، لديه القدرة على تحويل النزاعات إلى معزوفة يتغنى بها الجميع.

النصب الفنلندى
.jpeg)
وجه تمثال
.jpeg)
وجه التمثال
.jpeg)
تمثال سيبليوس
.jpeg)
وجه تمثال سيبليوس
.jpeg)
التمثال فى هلسنكى
