"بين الزغاريد والدموع".. قصص طلاب غزة المتفوقين.. حاربوا بالقلم وسط القصف والنزوح والفقد وصنعوا الحلم من رحم الألم.. استشهاد أوائل قبل أيام من إعلان النتيجة وبيت تحول من فرح بالنجاح واستقبال المهنئين إلى ميتم

الأحد، 26 يوليو 2026 09:24 م
"بين الزغاريد والدموع".. قصص طلاب غزة المتفوقين.. حاربوا بالقلم وسط القصف والنزوح والفقد وصنعوا الحلم من رحم الألم.. استشهاد أوائل قبل أيام من إعلان النتيجة وبيت تحول من فرح بالنجاح واستقبال المهنئين إلى ميتم الطلاب في غزة

كتب أحمد عرفة


 

<< لانا الغزالي 99.6% من قلب الحرب: ذاكرت تحت القصف وحملت كتبي قبل أمتعتي وتأثرت باستشهاد شقيقي
<< ثلاثة أشقاء من خان يونس يتحدون العدوان والإعاقة ويحصدون التفوق رغم قسوة الظروف
<< نور الهدى.. ابنة الشهيد حققت حلم والدها بأن تصبح طبيبة بعد 18 عاما من الانتظار
<< من النزوح لمسجد بلال إلى منصة النجاح.. منال تتفوق رغم فقدان عائلة والدتها
<< عبدالله يحقق حلم والدته الشهيدة.. نجاح بلا حضن الأم انتظرت هذه اللحظة
<< آلاء عمار 99.6% رغم الجوع والحصار والقصف: لحظة النتيجة تنسيك كل التعب
<< احتفل بتفوقه لساعات ثم رحل.. خالد زكي عريس النجاح والشهادة في يوم واحد
<< ظهر اسمه بين المتفوقين بعد رحيله.. يحيى نسمان يترك شهادته شاهدة على حلمه
<< رحل قبل إعلان النتائج بشهر.. نجيب مهدي حاضر في قوائم الناجحين رغم الغياب
 

في غزة، لا تُقاس سنوات الدراسة بعدد الحصص والامتحانات فقط، بل بعدد الليالي التي نجح أصحابها في النجاة من القصف، وعدد المرات التي اضطروا فيها إلى حمل كتبهم قبل حمل ملابسهم، هناك، حيث تختلط أصوات الطائرات بصفحات الكتب، ويتحول النزوح إلى فصلٍ دراسي جديد، كتبت الطالبة لانا الغزالي قصة استثنائية عنوانها الإرادة.

ورغم فقدانها شقيقها خلال الحرب، وما تركه ذلك من وجع لا يغادر القلب، تمسكت بحلمها حتى حققت مجموع 99.6%، لتثبت أن الحرب قد تسرق البيوت والأحبة، لكنها لا تستطيع أن تنتزع من الإنسان إصراره على صناعة مستقبله، وفي حديثها، تروي لانا تفاصيل رحلة كانت فيها كل درجة حصلت عليها ثمرة صبر، وكل صفحة درستها انتصارًا صغيرًا على واقع فرضته الحرب.

لانا تتحدى النزوح والحرب وتتفوق في الثانوية العامة

كنت أذاكر على ضوء كشاف صغير بينما الحرب لا تتوقف"، بهذه الكلمات بدأت الطالبة المتفوقة لانا الغزالي، الحاصلة على مجموع 99.6%، رواية رحلتها الاستثنائية نحو التفوق، خلال تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، رحلة لم تُكتب في قاعات هادئة أو على مكاتب الدراسة، بل بين أصوات القصف، وقلق النزوح، وفقدان الأحبة.

الطالة لانا الغزالى
الطالة لانا الغزالى

 

تقول لانا إن الحرب كانت جزءا من تفاصيل يومها، فلم يكن هناك يوم واحد يخلو من أصوات الطائرات والقذائف التي تهز الجدران، لكن ذلك لم يمنعها من التمسك بحلمها، متابعة: "رغم نقص القرطاسية، وقلة المراكز التعليمية بسبب النزوح، حاولنا أن نتدبر أمورنا بما توفر، والحمد لله أكملنا الطريق".

وتستعيد لانا أصعب لحظات الدراسة عندما بدأت أوامر إخلاء الأبراج السكنية، حيث كانت تعيش مع أسرتها في أحدها، قائلة: "كنا نعيش كل يوم على أعصابنا، أنتظر لحظة الإخلاء وأتساءل ماذا سأحمل معي إذا اضطررنا للمغادرة، كان من الصعب أن أركز في المذاكرة وأنا مهيأة للرحيل في أي لحظة".

الطالبة لانا الغزالى تحتفل بتفوقها
الطالبة لانا الغزالى تحتفل بتفوقها

 

وتضيف أن تلك اللحظة جاءت بالفعل، عندما وصلت إشارة الإخلاء، ولم يكن أمام الأسرة سوى دقائق معدودة للمغادرة، مضيفة: "أول ما حملته كان كتبي ودفاتري، جمعتها بسرعة حتى لا أفقدها، لأنها كانت بالنسبة لي أملي في المستقبل".

بعد النزوح، وجدت لانا نفسها تعيش في منزل يضم أكثر من ثلاثين شخصا، دون غرفة أو ركن هادئ للمذاكرة، حيث تروي: "كنت أدرس على فرشتي وسط الضجيج، ولم يكن هناك مكتب أو كرسي، ولا حتى فرصة للاستيقاظ ليلًا للمذاكرة بسبب انقطاع الكهرباء وضيق المكان".

ومع انتقال الأسرة من شمال غزة إلى جنوبه، أصبح حمل الكتب عبئا إضافيا، لكنها لم تتخلّ عنها، حيث تقول: "كنت أحمل حقيبة كبيرة مليئة بالكتب من مكان إلى آخر، ثم اضطررت لتحويل معظم كتبي وملخصاتي إلى ملفات PDF حتى أستطيع الاحتفاظ بها والتنقل بها بسهولة".

لم تنتهِ الصعوبات بانتهاء الحرب، إذ تعطلت الدراسة مرة أخرى بسبب العودة من النزوح وإعادة ترتيب الحياة، لكن أسرتها، كما تؤكد، لم تتوقف عن دعمها، ووفرت لها ما تستطيع من أجواء تساعدها على استكمال رحلتها التعليمية.

وتصف لانا معاناتها اليومية مع الكهرباء والإنترنت بقولها: "كنت أحضر الدروس الإلكترونية بصعوبة شديدة، فالحصة التي تستغرق ساعة كانت تحتاج ساعتين أو ثلاثًا بسبب ضعف الإنترنت، أما الكهرباء فكانت تنفد باستمرار، وكثيرا ما واصلت المذاكرة على ضوء كشاف صغير حتى أنهي واجباتي".

الجرح الأكبر، لم يكن انقطاع الكهرباء أو النزوح، بل فقدان شقيقها خلال الحرب، حيث تروي: "استشهاد أخي كان أصعب ما مررت به، كنت أتخيل يوم إعلان النتيجة وهو ليس بيننا، فيعتصرني الحزن، كنت أذاكر وفي قلبي غصة لا يمكن وصفها، لكنني كنت مؤمنة بقضاء الله وقدره، وأحمده على كل حال، هذا النجاح أهديه لروح أخي، ولأسرتي التي ساندتني، ولكل طالب آمن بأن الأمل يمكن أن يولد حتى وسط الحرب".

الاحتلال يدمر مدارس غزة

وبحسب إحصائيات المكتب الإعلامي الحكومى بغزة الصادر في 2 يوليو، فإن  100 % من مدارس القطاع لحقت بها أضرارا مادية نتيجة القصف والاستهداف المباشر وغير المباشر، و81% من المباني تحتاج إلى إعادة بناء أو تأهيل رئيسي .

 

وذكر بيان المكتب الإعلامي الحكومى، أن 40 % من المباني المدرسية موجودة داخل الخط الأصفر، و80 %  مبنى مدرسيا تعرض لقصف مباشر، و17 مؤسسة تعليم عالي دمرها الاحتلال كليا أو جزئيا.

انهيار المنظومة التعليمية في غزة بسبب الحرب
انهيار المنظومة التعليمية في غزة بسبب الحرب


وأعلنت وزارة التربية والتعليم العالى الفلسطينية يوم الجمعة الماضية نتائج الثانوية العامة، كما أعلنت أسماء المفتوقين، التي تخللها الكثير من القصص الإنسانية ما بين طلاب فقدوا عائلتهم إلا أن هذا لم يمنعهم من التفوق الدراسي، وطلاب من ذوي الهمم تحدوا الإعاقة، بينما هناك طلاب فلسطينيون لم يتمكنوا من الفرحة بنتيجة تفوقهم بسبب استهداف الاحتلال لهم.

 

الإعاقة لم تمنعهما من التفوق

في زمن كانت فيه الحرب تسرق من الأطفال مدارسهم، وتفرض على العائلات حياةً من النزوح والانتظار، اختار ثلاثة أشقاء من مدينة خان يونس أن يكتبوا حكاية مختلفة؛ حكاية لا تبدأ من الألم، بل تنتهي بالأمل، لم تكن الطريق إلى النجاح ممهدة، ولم تكن الظروف تسمح حتى بحياة طبيعية، لكنهم آمنوا بأن الحلم يستحق أن يُقاوم من أجله، والتفوق يمكن أن يولد حتى من قلب المعاناة.

الأشقاء الثلاثة
الأشقاء الثلاثة

 

وسط أصوات القصف، والتنقل من مكان إلى آخر، وشح الإمكانيات، خاض الأشقاء الثلاثة معركة من نوع آخر، معركة العلم، لم تكن منافستهم مع زملائهم فقط، بل مع كل العقبات التي حاولت أن تحرمهم من حقهم في التعليم، ورغم ذلك، جاءت النتيجة لتروي قصة استثنائية تستحق أن تُحكى، وتبقى شاهدا على أن الإرادة أقوى من الحرب، والإنسان قادر على الانتصار حين يتمسك بحلمه.

عبدالله حسن موسى حقق معدل 94.6%، وشقيقته ندى حسن موسى 94.4%، بينما حصدت شقيقتهم سما حسن موسى 97.5%، ليقدم الأشقاء الثلاثة نموذجًا ملهمًا للصبر والاجتهاد والإصرار، ويؤكدوا أن النجاح لا تصنعه الظروف المواتية، بل العزيمة التي ترفض الاستسلام.

الثلاث طلاب المتفوقين
الثلاث طلاب المتفوقين

 

وتزداد هذه القصة تميزا، حيث إن اثنين من الأشقاء الثلاثة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو واقع كان يمكن أن يتحول إلى عائق، لكنه أصبح دافعا لمضاعفة الجهد وإثبات القدرة على التحدي، فلم تكن الإعاقة بالنسبة لهما نهاية الطريق، بل بداية رحلة طويلة لإثبات أن الإرادة أقوى من كل القيود، والتفوق حق لكل من يؤمن بنفسه ويواصل السعي مهما اشتدت الصعاب.

وفي الوقت الذي حُرم فيه آلاف الطلبة من أبسط مقومات التعليم بفعل الحرب والنزوح، نجح الأشقاء الثلاثة في تحويل المعاناة إلى دافع، واليأس إلى أمل، ليصبح تفوقهم أكثر من مجرد معدلات مرتفعة في شهادة الثانوية العامة؛ بل رسالة إنسانية تؤكد أن الأحلام لا تُهزم بسهولة، والعلم يظل نافذة للحياة حتى في أكثر اللحظات قسوة، ففي غزة، حيث تحاول الحرب أن تنتزع كل شيء، نجح ثلاثة أشقاء في انتزاع مستقبلهم بالإصرار، وكتبوا قصة ستبقى واحدة من أجمل قصص التفوق التي وُلدت من قلب المعاناة.

 

الثانية مكرر بغزة.. والدها استشهد وهي رضيعة

قبل أن تنطق باسمها بين أوائل الثانوية العامة في غزة، كانت نور الهدى عبد الدايم قد خاضت امتحانا آخر، أطول وأقسى من أي اختبار دراسي، امتحان بدأ وهي رضيعة لم تكمل أشهرها الأولى، حين فقدت والدها في حرب عام 2008، واستمر سنوات طويلة من الحروب المتعاقبة، والنزوح، والجوع، وفقدان الأمان، حتى انتهى بإعلان تفوقها وحصولها على معدل 99.7%، لتحتل المرتبة الثانية على الفرع العلمي في القطاع (ثاني مكرر).

الأب حلم بأن تكون ابنته طبيبة فحققت حلمه

لم تعرف نور الهدى والدها إلا من خلال الصور والذكريات التي حفظتها لها والدتها، كانت تسمع دائما أنه كان يحلم بأن يرى ابنته طبيبة ترتدي معطفها الأبيض، لكن الحرب اختطفته قبل أن يشهد حتى خطواتها الأولى، رحل الأب، وبقي الحلم معلقا في قلب الأسرة، حتى كبرت ابنته وهي تحمل هذا الحلم وكأنه وصية لم تُكتب على ورق، بل سكنت وجدانها منذ طفولتها.

الطالبة نور الهدى عبدالدايم
الطالبة نور الهدى عبدالدايم

 

كبرت نور الهدى على وقع الحروب التي لم تمنح أطفال غزة فرصة لحياة مستقرة، عاشت سنوات من الخوف، ثم جاءت الحرب الأخيرة لتقتلع ما تبقى من تفاصيل حياتها، حيث دمر الاحتلال منزل الأسرة في بيت حانون، واضطرت للنزوح إلى مدينة غزة، لتبدأ رحلة جديدة عنوانها البحث عن مكان آمن، وفي الوقت نفسه البحث عن فرصة لمواصلة الدراسة.

لم تكن الدراسة في تلك الظروف تشبه الدراسة في أي مكان آخر، فالكهرباء كانت تنقطع لساعات طويلة، والاتصالات بالكاد تعمل، بينما أصبحت متابعة الدروس الإلكترونية تحديًا يوميا، كانت والدتها تقف ساعات طويلة في انتظار شحن الهاتف المحمول، حتى تتمكن ابنتها من استكمال دروسها، أحيانا كانت تنتظر ثماني ساعات كاملة حتى يعود الهاتف مشحونا، فتبدأ من جديد رحلة المذاكرة، وكأن الوقت لم يُهدر، وكأن الحرب لم تحاول أن تسرق منها حلمها.

ورغم كل ذلك، لم تكن نور الهدى طالبة فحسب، بل كانت أيضا الابنة الكبرى التي تشارك والدتها مسؤوليات البيت، وتساعدها في تدبير تفاصيل الحياة اليومية التي أصبحت أكثر قسوة مع النزوح، كانت تنتقل بين واجبات المنزل وكتبها، وبين مساندة أسرتها وملاحقة دروسها، محاولة أن تمنح يومها ما يكفي من الوقت لكل شيء، رغم أن الحرب كانت تسرق من ذلك اليوم معظم ساعاته.

رسالة وفاء إلى الأب

وحين تم إعلان النتائج، لم يكن رقم 99.7% مجرد معدل دراسي مرتفع، بل كان خلاصة سنوات من الصبر، ورسالة وفاء إلى أب رحل مبكرا تاركا حلما لم يمت برحيله، لقد حققت نور الهدى ما تمناه والدها قبل 18 عاما تقريبا، واقتربت من أولى خطواتها نحو دراسة الطب، لتؤكد أن الأحلام قد تتأخر، لكنها لا تموت ما دام هناك من يتمسك بها.

 

فقدان عائلة والدتها والنزوح في مسجد لم يمنعها من النجاح

لم يكن إعلان نتائج الثانوية العامة بالنسبة للطالبة منال أحمد بركة، الحاصلة على 87% في الفرع العلمي، مجرد نهاية لعام دراسي، بل كان انتصارا على سلسلة طويلة من الفقد والنزوح والمعاناة التي عاشتها أسرتها خلال الحرب، ففي كل درجة حصلت عليها، كانت هناك حكاية صبر، وفي كل صفحة درستها كانت هناك أم تحاول أن تنتزع من قلب الألم مساحة صغيرة للأمل.

تبدأ القصة مع والدتها، إيمان الزير، التي لا تتحدث عن نجاح ابنتها دون أن يسبق صوتها وجع الفقد، حيث تقول : "أنا من منطقة شرق خان يونس، وأم لأربعة أطفال، والناجية الوحيدة من بيت أهلي، قبل إعلان الهدنة بساعات، استشهدت أمي وأبي وإخوتي وأختي وزوجة أخي داخل منزلهم، الحمد لله على كل حال، لكن هذا الوجع لا يفارقني".

إيمان الزير
إيمان الزير

 

وسط هذه المأساة، لم تجد الأسرة بيتا يؤويها، فكان النزوح إلى أحد المساجد التي نجت من الدمار، حيث تروي الأم في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": "نحن نعيش نازحين في مسجد بلال، داخل هذا المسجد كانت منال تفتح كتبها، وتحاول أن تصنع لنفسها عالما مختلفا عن أصوات الحرب، لم يكن هناك فصل دراسي أو مكتب أو هدوء، لكن كان لديها إصرار كبير على أن تكمل تعليمها".

وتؤكد إيمان أن ابنتها لم تعرف يوما الظروف الطبيعية للدراسة خلال الحرب، حيث كانت تذاكر بين النزوح المتكرر، والخوف، وانقطاع الكهرباء والإنترنت، وقلة الإمكانيات، لكنها لم تتخل عن حلمها، حيث تقول: "كانت تستغل أي لحظة يتوفر فيها الضوء أو الإنترنت لتراجع دروسها، ولم تكن تسمح للظروف أن تهزمها، رغم كل ما كنا نعيشه".

وتضيف الأم أن الحياة اليومية في غزة أصبحت معركة بحد ذاتها، فإلى جانب فقدان الأحبة، كان تأمين الطعام والماء ومستلزمات الحياة تحديا لا ينتهي، مضيفة: "نحن نعيش معاناة يومية؛ نزوح، وفقدان للأهل، وصعوبة في توفير أبسط مقومات الحياة، لكننا نحاول أن نتمسك بالأمل، لأن الاستسلام ليس خيارا".

وترى إيمان أن نجاح ابنتها لم يكن مجرد حصولها على معدل 87%، بل كان رسالة بأن التعليم يمكن أن ينتصر حتى في أقسى الظروف، فبين جدران مسجد يأوي عشرات النازحين، وبعد فاجعة فقدان عائلة كاملة، استطاعت منال أن تحافظ على حلمها، وتثبت أن الإصرار قد يصنع من قلب الألم بداية جديدة.

وبينما تستعيد الأم أسماء من فقدتهم، لا تخفي أن فرحتها بنجاح ابنتها ممزوجة بالحزن، لكنها تؤمن أن هذا النجاح هو انتصار للحياة، ورسالة وفاء لكل من رحلوا، ودليل على أن أبناء غزة، رغم كل ما يعيشونه، ما زالوا يتمسكون بحقهم في المستقبل، ويواصلون كتابة قصص نجاحهم فوق أنقاض الحرب.

 

فرحة عارمة في غزة

بدأت العديد من عائلات غزة توزيع الحلوى في الشوارع احتفالا بتفوق أبنائهن، بينما البعض الأخر أجرى مسابقات لتكريم المتفوقين، في ظل فرحة عارمة اجتاحت شوارع القطاع عد حزن كبير خلال الشهور الماضية على الفقد والقتل والتشريد والنزوح اليومي والظروف الصعبة التي يعيشها الأهالي.

 

عبدالله تمنى احتفال والدته معه بالنجاح

لم يكن اسم عبد الله بين الناجحين في الثانوية العامة مجرد اسم في كشف النتائج، بل كان فصلا جديدا من حكاية بدأت بفاجعة، وما زالت فصولها تُكتب بغياب الأم، ففي اللحظة التي احتفل فيها آلاف الطلبة مع أمهاتهم بنجاحهم، وقف عبد الله أمام نتيجة حملت معدل 87%، بينما كانت أكثر من انتظرت هذه اللحظة غائبة إلى الأبد.

كانت والدته، الصحفية آلاء الهمص، تحلم بذلك اليوم، كانت تنتظر أن ترى ابنها يكبر عاما بعد عام، وتشاركه لحظة ارتداء ثوب التخرج، وتفرح بحصاد سنوات من التعب والرعاية، لكن الحرب اختطفت منها كل تلك الأحلام، واختطفت معها جنينها الذي لم يُكتب له أن يرى النور.

الطالب عبدالله
الطالب عبدالله

 

في واحدة من أكثر المجازر قسوة، استشهدت آلاء مع أفراد من عائلتها خلال الحرب الإسرائيلية، بينما نجا عبد الله مصابا، ليجد نفسه في مواجهة خسارة لا تشبه أي خسارة؛ فقد الأم التي كانت سندا وحلما، وفقد العائلة التي كانت تمثل دفء الحياة وأمانها.

لم تكن إصابته الجسدية هي الجرح الأكبر، بل ذلك الفراغ الذي تركه غياب والدته، فمنذ رحيلها، لم يعد هناك من يوقظه للدراسة، أو تسأله عن امتحاناته، أو تطمئنه بأن التعب سيؤتي ثماره، ومع ذلك، تمسك عبد الله بما كانت تؤمن به أمه دائما، أن التعليم هو الطريق الذي لا ينبغي أن تغلقه الحرب.

ومن يتصفح حسابات آلاء على مواقع التواصل الاجتماعي يلحظ صورة لم تغيرها حتى آخر أيامها، صورة تجمعها بعبد الله وهو طفل صغير يحتضنها، بقيت تلك الصورة ثابتة، وكأنها رسالة صامتة بأن ابنها، مهما كبر، سيظل طفلها الذي تخشى عليه وتحلم بمستقبله، وتنتظر أن تراه يحقق ما يتمنى.

إنجي وابنها عبدالله
إنجي وابنها عبدالله

 

الحرب سبقت أحلامها، وغابت الأم عن المشهد الذي انتظرته طويلا، لم تكن هناك لتحتضنه بعد إعلان النتيجة، أو تلتقط معه صورة التخرج، أو تخبره كما كانت تفعل دائما بأنها فخورة به، ومع ذلك، جاء نجاح عبد الله وكأنه امتداد لحلمها، ورسالة وفاء لامرأة رحلت قبل أن ترى ثمرة سنواتها.

حصول عبد الله على 87% لم يكن مجرد نتيجة دراسية، بل انتصار شخصي على الفقد، وإثبات أن الحروب، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع أن تطفئ إصرار من يتمسكون بالحياة، وبينما غابت الصحفية آلاء عن لحظة نجاح ابنها، بقي أثرها حاضرا في كل خطوة خطاها نحو هذا الإنجاز، لتبقى قصته واحدة من أكثر القصص الإنسانية وجعا، وأشدها دلالة على أن الأحلام قد يكتمل طريقها حتى بعد رحيل أصحابها.

آلاء عمار.. تفوق ولد من رحم الحرب
 

بمعدل 99.6%، حصدت آلاء عمار المرتبة الثانية على مستوى غزة في الفرع الأدبي، لتثبت أن الإرادة قادرة على صناعة النجاح حتى في أصعب الأوقات، والتفوق يمكن أن يولد رغم كل العوائق التي تحيط بالطالب.

تقول آلاء: "وصلت لهذا المعدل بعد تعب ودراسة وضغط وتوتر كبير، خاصة في الظروف التي نعيشها. لم تكن الفترة سهلة، لكنني كنت مؤمنة بأن التعب سيُترجم إلى نتيجة تفرحني وتفرح عائلتي".

الطالبة المتفوقة آلاء عمار
الطالبة المتفوقة آلاء عمار

 

وتروي آلاء أن طلبة الثانوية العامة في غزة لم يخوضوا تجربة دراسية طبيعية، فقد واجهوا ظروفًا قاسية أثرت على تفاصيل يومهم، مضيفة: "عشنا ظروفا صعبة من جوع وحصار، ولم يكن كل شيء متوفرا، كان هناك توتر وضغط كبير عندما يحدث القصف من حولنا، وفقدنا أعز أشخاص لنا خلال هذه المرحلة، لكننا حاولنا الاستمرار والتمسك بهدفنا".

لم يكن الوصول إلى الكتب والدروس والأدوات الدراسية أمرا سهلا، فمع غياب التعليم الوجاهي، أصبح الطالب يعتمد بدرجة كبيرة على نفسه، حيث توضح آلاء: "طالب التوجيهي في غزة يعاني من صعوبات كثيرة، لم نتلق تعليما وجاهيا، وكان الاعتماد الأكبر علينا، وكنا نلجأ إلى الدروس الخصوصية، وحتى القرطاسية لم تكن متوفرة دائما، وكنا نواجه صعوبة في الحصول على بعض المستلزمات."

ورغم كل هذه التحديات، كانت آلاء تثق بقدراتها، وتؤكد: "كنت متوقعة هذا المعدل، خاصة أن مستواي في السنوات السابقة كان جيدا، وكنت دائمًا أسعى لأن أحقق أفضل ما لدي".

وتوجه آلاء رسالة إلى طلاب الثانوية العامة القادمين، قائلة: "ادرسوا واتعبوا واجتهدوا، لأن لحظة النتيجة ستجعلكم تنسون كل الضغوطات والتعب الذي مررتم به. مهما كانت الظروف صعبة، لا تتخلوا عن أحلامكم."

وبعد هذا النجاح الكبير، تحمل آلاء طموحا جديدا، فهي تحلم بدراسة تخصص اللغات أو الترجمة الإنجليزية، وتسعى إلى مواصلة تعليمها في بيئة تساعدها على تحقيق أهدافها.

 

الاحتلال قتله بعد ساعات من احتفاله بتفوقه

في المقابل الفرح هناك قصص حزينة بعد إعلان نتائج الثانوية العامة بغزة، قصص لطلاب لم يستطيعون الاحتفال بتفوقهم بسبب استشهادهم إلا قبل إعلان النتيجة، أو بعدها بساعات، فلم تكن المسافة بين الفرح والحزن بالنسبة لعائلة الطالب خالد زكي البريم سوى ساعات قليلة، فخلال الساعات الماضية، كان المنزل يمتلئ بالتهاني والزغاريد بعد إعلان نتائج الثانوية العامة، وكان خالد يستقبل المهنئين بعدما حقق مجموعا مرتفعا، فيما راحت أسرته ترسم معه ملامح المستقبل الذي انتظره طويلا، أما اليوم، فقد تبدلت المشاهد كلها، وتحولت كلمات التهنئة إلى عبارات عزاء، بعدما استشهد الطالب المتفوق في قصف استهدف مدينة خان يونس.

كان النجاح بالنسبة لخالد بداية الطريق، لا نهايته، سنوات من الدراسة وسط الحرب والخوف وانقطاع الكهرباء والنزوح اختُزلت في لحظة إعلان النتيجة، ليشعر أخيرا أن تعبه لم يذهب سدى، وأن حلم الجامعة بات أقرب من أي وقت مضى، كانت الأسرة تتحدث عن مستقبله، وعن التخصص الذي سيختاره، وعن الأيام التي تنتظره خارج أسوار المدرسة، دون أن تدري أن الزمن لن يمنحه فرصة ليخطو أولى تلك الخطوات.

الطالب خالد زكي
الطالب خالد زكي

 

لم تدم الفرحة طويلا، فبعد ساعات من إعلان النتائج، دوى القصف، وتوقفت الأحلام عند اللحظة التي كان يفترض أن تبدأ منها، الطالب الذي احتفل الجميع بتفوقه بالأمس، أصبح اليوم اسما جديدا في قائمة ضحايا الحرب، قبل أن يتمكن من الاحتفال الحقيقي بثمرة سنواته الدراسية.

لم يمهل القدر خالد ليرتدي ثياب الجامعة، أو يجلس في أول محاضرة، أو يحمل حقيبته الجامعية التي ربما بدأ يفكر في إعدادها، انتهت رحلته وهو لا يزال يحمل فرحة النجاح في قلبه، لتتحول شهادة الثانوية العامة، التي كانت بوابة لمستقبل جديد، إلى آخر إنجاز يودعه بين يدي عائلته.

في غزة، لا تُقاس المآسي بعدد البيوت التي تهدمت فقط، بل أيضا بعدد الأحلام التي انقطعت قبل أن تبدأ، وخالد زكي واحد من أولئك الطلبة الذين اجتازوا أصعب امتحانات الحياة، وتمسكوا بحقهم في التعليم رغم الحرب، لكنهم لم يُمنحوا الوقت الكافي ليعيشوا ثمرة نجاحهم.

رحل خالد بعد ساعات من تفوقه، وبقيت صور الاحتفال التي التُقطت بالأمس شاهدة على قسوة التحول الذي تعيشه عائلات غزة؛ فمنزل كان يصدح بالفرح، صار يستقبل المعزين، وأحلام كانت تتجه نحو مقاعد الجامعة، توقفت عند لحظة رحيل صاحبها، وهكذا، تحولت قصة نجاح طالب مجتهد إلى واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية إيلاما، حيث اجتمع في يوم واحد إعلان التفوق، ثم الفقد، ليبقى اسم خالد حاضرا في ذاكرة من عرفوه طالبا طموحا لم تسعفه الأيام ليكمل الطريق.

مجازر الاحتلال ضد الطلاب والمعلمين

وبحسب إحصائيات المكتب الإعلامي الحكومى بغزة، فإن عدد الطلاب الشهداء خلال الحرب وصل إلى 20051 شهيدا، بينما هناك 19886 طالبا غادروا القطاع، و620000 طالب وطالبة حرمتهم إسرائيل من التعليم، بجانب 90 ألف طالب وطالبة في سن التعليم الجامعي منعتهم تل أبيب من استكمال تعليمهم، بالإضافة إلى استشهاد 830 معلما وكادرا تربويا وأكثر من 194 عالما وأكاديميا وباحثا.

 

استشهد قبل أيام من إعلان اسمه بين المتفوقين

كان الطالب يحيى أدهم نسمان يحلم، كما يحلم آلاف طلبة الثانوية العامة في غزة، بأن يأتي اليوم الذي يسمع فيه اسمه بين الناجحين، ويرى ثمرة أشهر طويلة من الدراسة والاجتهاد في واحدة من أصعب المراحل التي مر بها جيل كامل، لكن الحرب كانت أسرع من الأحلام، فلم تمنحه الفرصة ليشهد اللحظة التي انتظرها طويلا.

يحيى أدهم
يحيى أدهم

 

قبل أسبوعين فقط من إعلان نتائج الثانوية العامة، رحل يحيى في الحرب، تاركا وراءه دفاتر امتلأت بالملاحظات، وكتبا شهدت ساعات طويلة من المذاكرة، وأمنيات لم يكتمل موعدها، لم يكن يعلم أن آخر امتحان سيؤديه لن يكون داخل قاعة دراسية، بل في واقع فرضته الحرب على طلبة غزة، حيث أصبح مجرد الوصول إلى يوم إعلان النتائج أمنية لا تتحقق للجميع.

وعندما أعلنت النتائج، ظهر اسم يحيى بين المتفوقين، بعدما حقق معدلا متميزا بلغ 96.6%، كان اسمه حاضرا في قوائم الشرف، بينما غاب صاحبه عن لحظة الانتظار التي عاشها زملاؤه، وعن فرحة سماع اسمه، وعن احتضان عائلته له وهو يجني ثمرة تعبه.

لم تكن هذه النتيجة مجرد رقم في كشف الدرجات، بل شهادة على أن طالبا واصل طريقه في طلب العلم رغم الظروف القاسية، والاجتهاد الذي بذله لم يذهب هباء، فقد بقيت أوراقه شاهدة على حلم كبير، حتى وإن لم يكن موجودا ليرى بنفسه أنه تحقق.

الطلاب الضحايا من الحرب على غزة
الطلاب الضحايا من الحرب على غزة

 

في كل عام، تحمل نتائج الثانوية العامة قصصا عن الفرح والنجاح، لكن في غزة تحمل أيضا قصصا عن الغياب، هناك من انتظر النتيجة واحتفل بها، وهناك من سبقتهم الحرب إلى الرحيل، فلم يبق منهم سوى أسمائهم في كشوف الناجحين، وصورهم في ذاكرة أحبائهم.

الحرب تسبق موعد فرح نجيب مهدي بتفوقه

ومن بين أسماء الناجحين والمتفوقين في الثانوية العامة، ظهر اسم الطالب نجيب مهدي ليحمل حكاية مختلفة؛ حكاية طالب اجتهد وحلم بمستقبل ينتظره، لكنه لم يكن حاضرا ليعيش لحظة إعلان نجاحه، فقد سبقت الحرب موعد الفرح، ورحل نجيب قبل أقل من شهر من إعلان النتائج، لتبقى شهادته الدراسية شاهدة على عزيمته وطموحه الذي لم ينطفئ رغم قسوة الظروف.

لم تكن رحلة نجيب نحو النجاح سهلة، فقد عاش كما عاش آلاف الطلبة في القطاع أياما مليئة بالخوف والقلق، وسط ظروف حرب قاسية أثرت على تفاصيل الحياة اليومية، وعلى أبسط مقومات الدراسة. وبين أصوات القصف والاضطرابات المتواصلة، تمسك بكتبه، وواصل السعي نحو هدفه، مؤمنا بأن التعليم هو الطريق الذي يمكن أن يفتح له أبواب المستقبل.

الحرب لم تمنحه فرصة رؤية ثمرة تعبه، رحل نجيب قبل أن يسمع اسمه بين الناجحين، وقبل أن يرى فرحة أسرته بنتيجته، وأن يخطو خطواته الأولى نحو المرحلة الجامعية التي كان يحلم بها، ومع إعلان النتائج، عاد اسمه من جديد، لكن هذه المرة بين قوائم الناجحين والمتفوقين، ليصبح حضوره مرتبطا بإنجاز تركه خلفه.

لم تكن نتيجة نجيب مجرد رقم في كشف الدرجات، بل كانت شهادة على إرادة طالب رفض أن تكون الظروف أقوى من حلمه، فقد بقيت ساعات الدراسة، والكتب، والأوراق التي خط عليها ملاحظاته، شاهدة على رحلة طالب بذل جهده حتى آخر الطريق.

في غزة، تحمل نتائج الثانوية العامة هذا العام قصصا كثيرة عن الفرح، لكنها تحمل أيضا حكايات عن طلاب غابوا عن لحظة التتويج، طلاب اجتهدوا مثل غيرهم، ووصلوا إلى النجاح، لكن الحرب حرمتهم من سماع التصفيق الذي كانوا يستحقونه.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة