نقول دائما إن التاريخ ليس فيه «لو» بمعنى أن هناك بعض ممن يطرحون أسئلة مثل: «ماذا لو لم تكن 23 يوليو؟ وماذا لو لم تكن 25 يناير؟» أو غيرها «ماذا لو لم يتوَلّ عبدالناصر أو السادات؟»، إلى آخر التداعيات التى لا تعنى شيئا فى التاريخ، حيث إن التاريخ يقوم على ما حدث وليس ما نريده، ونقول هذا بمناسبة الجدل الذى جرت العادة أن يدور بلا توقف فى موسم 23 يوليو، وما إذا كان كل الرؤساء نجيب وناصر والسادات ومبارك هم رؤساء دولة يوليو؟ أم أن هناك «خيار وفقوس» يحدد من يكون رئيسا ومن يكون وطنيا أو خائنا؟ والواقع أن هذه الطريقة فى الحكم ظهرت طوال التاريخ، لكنها بدأت من أيام الفتنة الكبرى، عندما اتخذت المصالح المادية والسياسية شكلا دينيا، واتسعت دوائر التكفير للمختلفين فى الآراء وليس فى العقيدة. ومن هنا ظل الفيروس قائما لدرجة أن نجد بشرا لدى كل منهم مخ فى جمجمته، ينحاز إلى فريق شيعة أو سنة ويكفر الآخرين، ويسخر من عقيدتهم، مثلما يسفه عقائد كل من يختلف معه فى الدين أو اللغة أو الطريقة، كأن بعض من ينتمون للأديان عينوا أنفسهم الهة، هنا يمكن تفهم الصراع الأزلى الذى اخترعه بعض خصوم عبدالناصر وبعض أنصار الزعيم نفسه، عندما روجوا لخرافات وتخوين للرئيس السادات.
رحل جمال عبدالناصر قبل 56 عاما، ورحل أنور السادات قبل 45 عاما، وبالرغم من كل هذه السنوات، لا تزال الملاسنات منصوبة بين ألتراس الرجلين، ولا يفترض أن نشعر بأى نوع من الصدمات، حيث تستمر الخلافات بشكل يتجاوز كل عقل أو منطق منذ الفتنة الكبرى التى بدأت بمقتل الخليفة عثمان بن عفان سنة 35 هـ 656 ميلادية، وقسمت المسلمين إلى شيعة وسنة وخوارج وأنواع وأشكال، فليس من الغريب أن تستمر مثل هذه الاستقطابات طوال عقود، وإذا كان بعض المختلفين لا يمكنهم مناقشة مباريات الأهلى والزمالك، أو التفاهم والاختلاف العادى حول أغنيات وألبومات عمرو دياب، فهل يمكن توقع أن يكون هناك نقاش بين عقول - وليس بين أقدام - حول تاريخ حديث؟ كل هذا يعنى أننا لا يجب أن نصدم من انتشار آراء بعضها لا علاقة له بالمنطق، وإنما اتسعت مثل هذه الحالات بفضل اتساع النشر ومواقع التواصل الاجتماعى، حيث لم تعد هناك حدود، ولا منطق يمكن أن يحكم الأمر.
وبمناسبة موسم ثورة 23 يوليو، شاهد متابع مواقع التواصل مئات - وربما آلاف - الآراء حول الثورة وعبدالناصر والسادات والملك فاروق، وبالمناسبة يمكن أحيانا أن يكون الاختلاف والتنوع عملا طبيعيا إذا كان يخرج من ناس طبيعيين، لكنه يتخذ لدينا حالة مرضية عقلية ونفسية تكاد تشير إلى مستشفى المجانين، خلال يومين أو أقل أبدى البعض رفضه لبوست رجل أعمال كتب يرى فيه يوليو 52 بداية الخراب والدمار الشامل، ورد بعض المدافعين ووصفوه بأنه يعانى من مراهقة «السوشيال ميديا»، وأن رأيه ليست فيه سياسة ولا أفكار، وإنما بحث عن «لايكات» وتصفيق ومتابعين، لكن المفارقة الأخرى أن مزعوما يفترض أنه يضع نفسه ضمن الناصريين خرج ليعلن أن مبادئ الثورة الإيرانية عام 1979 هى نفسها مبادئ ثورة يوليو، والمزعوم قال هذا فى قناة تمولها إيران واعتادت أن تدعم الفتنة الإقليمية، وبالطبع ليس هناك من يتفق مع رأى المزعوم أو رأى رجل الأعمال، فكلاهما يدافع عن مصالحه ومموليه، مثل صحفى ورجل أعمال متجنس انضم لموضة الحنين للعصر الملكى، وهو أمر يتم منذ سنوات.
وهذه مجرد أمثلة على أنه لا يفترض أن نأخذ كل الآراء بغضب، وأن مثل هذا التنوع، يفترض أن يضعنا أمام تقبل لأى من الآراء حتى لو كانت تخالف ما نرى أنه العقل أو المنطق، لأن هناك أجيالا يقولون إنها لا تعرف ولا تتابع أيا مما يدور، وإنهم لا يعرفون شيئا عن تاريخهم، بينما الواقع أن الأجيال التى حولت السياسية إلى فتنة كبرى وألتراس منذ الفتنة الكبرى وخلطوا الدين بالسياسة والمصالح، وروجوا التكفير والتخوين هم من يقع عليهم هذا العبء، وبعض من يسكنون معسكرات «الناصرية» و«الهيكلية» نسبة إلى الأستاذ هيكل، أو «الساداتية» أو الملكية، يعانون من اختلال يدفعهم لتكفير من يختلف معهم أو تخوينه، وهو نوع من لعب العيال فى التاريخ يقترب أكثر من ملاعب كرة القدم ويبتعد عن التاريخ والسياسة.