خالد عزب

منهج التصديق والهيمنة فى القرآن الكريم.. سورة البقرة نموذجًا... كتاب فريد

الأحد، 26 يوليو 2026 11:31 ص


صدر كتاب فريد للدكتور صابر مولاى أحمد، وهو باحث مغربى عنوانه "منهج التصديق والهيمنة فى القرآن الكريم؛ سورة البقرة نموذجًا"، يدور حول فكرة عامة مفادها، أن القرآن يتضمن اعترافا "مصدقا" بما سبقه من الكتاب قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)﴾ (الأعلى) ولم يتوقف القرآن عند الاعتراف "التصديق" دون أن يربطه بوعى منهجى مفاده، أنه كتاب "مهيمن" على ما سبقه من الكتاب، وأنه خطاب للناس جميعاً ورسالة عالمية وكونية، وليس حكراً على أحد دون آخر.

ويشير المؤلف هنا بأن مصطلح الهيمنة، حاضر ومتداول بشكل كبير فى العلوم السياسية، فنقول الهيمنة الأمريكية أو الهيمنة الأوروبية، بمعنى سيطرة مجموعة على أخرى، أو سيطرة دولة على مجموعة من الدول.


فمفهوم الهيمنة فى القرآن بعيد كلّ البعد عن مفهوم التسلط والسيطرة والتَّحكم، وقريب من مفهوم الائتمان والرحمة والاعتراف، فالله عـز وجل احتفظ لنفسه بفعل الهيمنة، فلا مهيمن قبله ولا بعده، لكن خص القرآن فقط بهذا الوصف دون غيره من الكتب التى سبقته، بينما وصفة التصديق يشترك فيها القرآن مع ما سبقه من الكتاب قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَى مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)﴾(الصف).


مفردة "مهيمن" وردت فى القرآن مرتين: المرة الأولى: جاء اسما لله عز وجل، قال تعالى: ﴿الملكالقدوس السلام المؤمن المهيمن﴾ (الحشر/23)؛ أى الكمال لله فى القدرة والفعل والتصرف، وهو المؤتمن على كل شيء. والمرة الثانية: جاء وصفا للقرآن الكريم قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه﴾ (المائدة/48). فمفهوم الهيمنة يدور فى مدار الرحمة والائتمان والاعتراف، فالله جل وعلا برحمته الواسعة مؤتمن على كل شيء فى الوجود بأكمله، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف/156). كذلك هو القرآن مؤتمن على ما سبقه من الكتاب بفعل هيمنته التى تتضمن الاعتراف والحوال مع ما سبقه من الكتاب بغاية إظهار وتجلية النور الذى تتضمنه الكتب السابقة عنه، وقد بينت، من خلال كتاب "منهج التصديق والهيمنة فى القرآن الكريم سورة البقرة نموذجا"، كيف يمكن من خلال هذا المنهج فهم الكثير من المواضيع فى علاقة القرآن بما سبقه من الكتاب.

الكتاب ينطلق أيضا من أن الزمن الذى نحن فيه اليوم يتصف، بالعلمية وإعمال العقل فى فهم كل شيء، إلى درجة يصح القول معها بأن زمننا هذا قد بلغ أعلى درجة من العلم والمعرفة، بما حدث فيه من نظريات وثورات علمية وتكنولوجية وإعلامية وغيرها فى شتى مجالات المعرفة، وعلى الرغم من كل هذا ولأنالإنسان كائن يتصف دون غيره بصفة التدين يجد نفسه اليوم، أمام نصوص دينية متعددة، وعلى رأس هذه النصوص الدينية المتعددة تأتى النصوص الدينية التى تنتمى للديانات التوحيدية؛ أى الديانة اليهودية والديانة المسيحية والديانة الإسلامية.

ومن المعلوم كما يذكر الدكتور صابر مولاى أن الرسالة الإسلامية ناسخة لما سبقها بفعل تصديق وهيمنة القرآن على ما سبقه من الكتب السماوية؛ أى التوراة بالنسبة للديانة اليهودية (العهد القديم) والإنجيل بالنسبة للديانة المسيحية (العهد الجديد) هذا فضلا عن كون القرآن الكريم دون غيره من الكتب الدينية الأخرى، يكتنز بداخله الكثير من المداخل المعرفية المفتوحة على الكون والإنسان، والتى تجعله يرقى ويلتحم مع خصوصيات الزمن المعرفى الذى يظللنا اليوم وما بعده لقوله تعالى: "هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)"؛ فقضية الظهور هذه لا تنحصر فى زمن النزول فقط بل تمتد إلى ما بعده كما يؤكد المؤلف، فاليوم نعيش حالة ظهور أخرى للهدى ودين الحق، والحق واحد غير متعدد، فبه خلق الكون بأكمله وبه نزل القرآن، فالعلماء والمتخصصون فى العلوم الكونية يرتقون لفهم وكشف أسرار كثير من الحقائق قد أشار لها وذكَّر بها الكتاب المنزل (القرآن) من خلال آياته وسوره، وهذا الانسجام والتكامل بين أسرار الكون وأسرار الكتاب المنزل، من المستبعد جدا أن يحصل مع كتاب آخر غير القرآن. هنا المؤلف ينبه إلى أن حالة الظهور هذه لا تعنى إقصاء ونفى الديانات الأخرى، بقدر ما هى دعوة لتحرى الحق والسعى نحوه، وقد حسم القرآن هذا الأمر بقوله:" لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" فضلا عن أن آيات الله تتجلى فى الآفاق والأنفس بينة وظاهرة لمن تحرى الحق قال تعالى: "سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِى الْآَفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (53)".

كما أن حالة ظهور الهدى ودين الحق، لا تنحصر فى مجال معرفى واحد، بل تشمل مختلف حقول المعرفة مما يتطلب من الدارسين والمختصين فى شتى التخصصات العلمية النهوض بها، بقصد جلب الهدى والرشاد للناس جميعا من الكتاب المنزل (القرآن) ومن ثم فهذا البحث يحفر فى زاوية معرفية تلتصق فى فهم العلاقة التى تربط القرآن بما قبله من الكتاب، وهى زاوية تنتمى لعلم مقارنة الأديان.

البحث الذى نحن بصدده والموسوم بعنوان "منهج التصديق والهيمنة فى القرآن الكريم، سورة البقرة نموذجا" للدكتور صابر مولاى أحمد يسلط الضوء بشكل منهجى على ما هو وارد داخل البنائية القرآنية حول موضوع منهج التصديق والهيمنة، وهو منهج قد أسسه القرآن من خلال سوره وآياته، ليضبط العلاقة بينه وبين الكتب السماوية التى سبقته، وقد جاء الحديث عن هذا الموضوع بشكل مباشر فى سورة المائدة يقول تعالى: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(48)"، ولهذا فالوعى بالأبعاد القرآنية للموضوع الذى نحن بصدده الذى يطرحه الدكتور صابر، يعد فى الوقت ذاته وعيا بماهية القرآن وبما يتصف به من الخصوصيات عن غيره من الكتب التى سبقته. 

فمن لم يحط بالتصور الكلى الذى يضمه القرآن حول موضوع التصديق والهيمنة سيفوِّت على نفسه فهم العلاقة المنهجية التى تربط القرآن بالكتب السماوية التى سبقته، وقد ينظر إلى القرآن الكريم مثله مثل باقى الكتب المقدسة له ما لها وعليه ما عليها، كما أنه يفوت على نفسه فهم ما قام به القرآن من الاسترجاع النقدى والبناء لكثير من المواضيع التى تضمها الكتب المقدسة، والاسترجاع هنا ليس من باب الاسترجاع نفسه، بل من باب تثبيت الحق والصواب الذى تضمه تلك الكتب السماوية، ونفى ما لحقها من الزيادات والتبديل عبر التاريخ.

إن جوهر موضوع التصديق والهيمنة يكمن فى كون القرآن هو الكتاب الشاهد والمستأمن على الكتب المقدسة، أى ما قبله من الكتاب، ولهذا فمن التعسف بما كان أن يتم النظر إلى ما تضمه الكتب المقدسة اليوم بمعزل عما يضمه القرآن الكريم حول كثير من المواضيع وهى مواضيع تعنى الناس جميعا مثل، الحث على القيم العليا والفضيلة، من خلال التذكير بتاريخ الأنبياء والرسل وما كانوا عليه من الحق والدعوة إليه، ومثل قصة الخلق وموضوع الاستخلاف، وهو موضوع يعنى الناس جميعا. ونؤكد هنا بأن الإعراض عما يضمه القرآن من هذه المواضيع وغيرها والاكتفاء بما هو وارد فى الكتاب المقدس، يعد خروجا عن الفهم الصواب وعن الحقيقة التى يصبو إليها الناس جميعا، كما أن فهم وتفسير ما قال به القرآن حول هذه المواضيع وغيرها من خلال ما هو وارد فى الكتب المقدسة، يعد تضييعا للهدى والحق الذى يكتنزه القرآن الكريم، ومما سبق تأتى أهمية الكتاب.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة