محمد عبد الفتاح

عندما أضاءت مصر ليبيا… لم يكن الأمر مجرد كهرباء بل رسالة دولة تعرف معنى الأخوة

الخميس، 23 يوليو 2026 02:01 م


في لحظات الأزمات، لا تقاس قوة الدول بما تمتلكه من بيانات أو تصريحات، وإنما بما تستطيع أن تفعله على أرض الواقع.

وعندما غرقت أجزاء واسعة من ليبيا في الظلام بعد انهيار مفاجئ للشبكة الكهربائية وخروج عدد من محطات التوليد الرئيسية عن الخدمة، لم يكن الوقت يحتمل الاجتماعات الطويلة أو البيانات الدبلوماسية، بل كان يحتاج إلى دولة تمتلك القدرة، والإرادة، وسرعة الاستجابة.

وهنا حضرت مصر

حضرت بخطوط الربط الكهربائي، وبالخبرات الفنية، وبشبكة كهرباء قادرة على دعم دولة شقيقة في واحدة من أصعب اللحظات التي مرت بها خلال الفترة الأخيرة.

ولذلك، فإن ما حدث لا يجب أن ينظر إليه باعتباره مجرد تصدير للكهرباء، بل باعتباره نموذجا حقيقيا لما تعنيه قوة الدولة، وما يعنيه أن تمتلك بنية تحتية قادرة على حماية شعبها، ومساندة أشقائها في الوقت نفسه.

عندما تتحول البنية التحتية إلى قوة استراتيجية

تعرضت ليبيا لانقطاع واسع للتيار الكهربائي بعد خروج عدد من محطات التوليد الرئيسية عن الخدمة، ما أدى إلى فقدان نحو 1350 ميجاوات من القدرة الإنتاجية، وانهيار تردد الشبكة الكهربائية، وهو ما تسبب في إظلام مناطق واسعة داخل البلاد.

وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الحل في إصلاح محطة أو إعادة تشغيل مولد فقط، لأن الشبكة بعد انهيارها تحتاج إلى مصدر خارجي للطاقة يساعد على إعادة شحن المحطات تدريجيا حتى تستعيد قدرتها على العمل بصورة مستقرة.

وهذا بالضبط ما قامت به مصر.

فور التواصل بين الجانبين، بدأت الكهرباء المصرية في التدفق عبر خط الربط الكهربائي المشترك بقدرة أولية بلغت نحو 70 ميجاوات، بالتوازي مع تنسيق فني مباشر بين مراكز التحكم في البلدين لإعادة بناء الشبكة الليبية تدريجيا وإدخال وحدات التوليد إلى الخدمة مرة أخرى.

قد يظن البعض أن 70 ميجاوات رقم محدود، لكنه في مثل هذه الظروف ليس الهدف النهائي، وإنما يمثل الشرارة الأولى التي تسمح بإعادة تشغيل المنظومة بأكملها، وهو ما أكده متخصصون في قطاع الكهرباء، موضحين أن الشبكات المنهارة تحتاج إلى مصدر خارجي يعيد بناء التردد واستقرار التشغيل قبل رفع الأحمال تدريجيا.

ما حدث هو ثمرة سنوات من بناء الدولة

هناك من يرى النتيجة ولا يرى الطريق الذي أوصل إليها.

فالدولة التي تستطيع أن تمد دولة أخرى بالطاقة في وقت الأزمة، هي دولة استثمرت لسنوات في محطات إنتاج الكهرباء، وشبكات النقل، ومراكز التحكم، وخطوط الربط الإقليمي.

هذه القدرات لم تبن في يوم وليلة، وإنما جاءت نتيجة استثمارات ضخمة ورؤية طويلة المدى جعلت مصر تمتلك فائضا يسمح بتلبية احتياجاتها الداخلية، وفي الوقت نفسه المساهمة في دعم الأشقاء، وتعزيز موقعها كمركز إقليمي لتبادل وتجارة الطاقة.

مصر وليبيا.. علاقة تتجاوز المصالح

ما يربط القاهرة وطرابلس أكبر كثيرا من مجرد خط كهرباء.

إنه تاريخ طويل من الجوار، والمصالح المشتركة، والروابط الاجتماعية، والأمن القومي الواحد.

ولذلك لم يكن مستغربا أن تتحرك مصر بسرعة عندما احتاجتها ليبيا.

كما لم يكن مستغربا من قبل أن تكون مصر من أوائل الدول التي هرعت إلى مدينة درنة عقب كارثة الإعصار والفيضانات، حيث دفعت بالقوات المسلحة، وطائرات الإغاثة، والمستشفيات الميدانية، والمهندسين، والمعدات الثقيلة للمشاركة في عمليات الإنقاذ وفتح الطرق وإيصال المساعدات الإنسانية. ولم يكن ذلك من باب المجاملة، بل انطلاقا من قناعة راسخة بأن أمن ليبيا واستقرارها جزء لا يتجزأ من أمن مصر واستقرارها.

هذا هو الفارق بين العلاقات التي تبنى على المصالح المؤقتة، والعلاقات التي يصنعها التاريخ والجغرافيا.

قوة الدولة لا تقاس بما تأخذه فقط، بل بما تستطيع أن تقدمه

في عالم يمتلئ بالأزمات، تصبح الدولة القوية هي الدولة التي تمتلك فائضا من القدرة، لا فائضا من الشعارات.

تمتلك فائضا في الكهرباء.

وفائضا في الخبرة.

وفائضا في الكفاءة.

وفائضا في القدرة على التحرك عندما يحتاجها أشقاؤها.

وهذا هو المعنى الحقيقي للقوة.

ليس أن تفرض إرادتك على الآخرين، وإنما أن تكون قادرا على مد يد العون عندما تصبح الحاجة إليها ضرورة.

قد ينسى الناس بعد أيام عدد الميجاوات التي تدفقت عبر خطوط الربط، وقد تختفي الأخبار مع دورة الأخبار السريعة، لكن ما سيبقى هو الصورة.

صورة دولة استطاعت، رغم ما تواجهه من تحديات وضغوط، أن تكون مصدر استقرار، ومصدرا للطاقة، ومصدرا للدعم في محيطها.

هذا هو الدور الذي يليق بمصر.

دولة لا تبحث عن استعراض القوة، بل تمارسها بهدوء.

لا تتحدث كثيرا عن الأخوة العربية، لكنها تثبتها بالفعل عندما تحين ساعة الاختبار.

حفظ الله مصر، وحفظ ليبيا، وأدام بين الشعبين روابط الأخوة التي لا تنقطع، لأن استقرار ليبيا قوة لمصر، وقوة مصر تبقى دائما سندا لكل من يطرق بابها في وقت الشدة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة