لنا عادات لا تنقطع، ومواسم نُحوِّم فيها حول الحِمَى؛ كما لو أننا نختلف على الحاضر، أو نقف هناك فى الماضى؛ لنقطف ثمرته الطازجة على وقتها.. ويوليو فى الطليعة طبعًا.
يضيق البعض بالتكرار، ويأنفه آخرون، ولا تملّ الأغلبية من الإعادة والإزادة فيما سبق أن قالوه انحيازًا، وما رموا به انحيازات سواهم بأنها من فِعل العاطفة، انفعالية رديئة وقُتِلَت بحثًا، ولا وجه للنقاش فيها أو المُجادَلة.
وما من دليل أكبر على القيمة والفاعلية والأثر الباقى، وغير المحسوم بالقطع واليقين أيضًا، من أننا لمّا نَزَل نلفّ فى الدائرة نفسها لنحو ثلاثة أرباع القرن.
انقلاب تحوّل إلى ثورة، أم ثورة وُصِمَت بأزياء طليعتها.. مرذولة لدى فئة غير قليلة، ومُقدّسة عند قطاعات أوسع كثيرًا.
وما من نقطة وسيطةٍ يتلاقون عليها؛ فكأننا نلوك الكلام عنادًا ومُكابرة، ولا نعى المعانى، جهلاً أو استسهالاً، طوال العقود السالفة.
وَلِنَبدأ من القطعىّ الذى لا تأويل فيه؛ فإنها حدثٌ مفصلىٌّ قَلَب الأوضاع رأسًا على عقب، وما بعده كان نقيضًا فى كل شىء لما قبله.
وقد انبَنَت عليها تغيّرات اجتماعية وثقافية وسياسية شتّى، لا فى مصر وحدها؛ إنما فى عموم المنطقة، وربما ما وراء ذلك إلى آخر حدود العالم!
والحق؛ أن لدى كل فريق ما يكفى من الأسانيد، بما لا يستقيم معه اتهام المَيل معها أو عليها، أو تسويغ القفز على الرؤى المُتضادّة.
وما ذلك إلا لأنها كطبيعة الوقائع الكُبرى، مُركبة تركيبًا شديد التعقيد، ينطوى على الشىء ونقيضه معًا، ولا يسهُل اختزاله فى صفةٍ واحدة.
سمّاها فاعلوها «الحركة المُباركة»، ونسبها المُحايدون ابتداء لأصحابها/ الضباط، وتطوّع نفرٌ من المثقفين فأسبغوا عليها مُسمّى الثورة، وهى جماع كل ذلك وخليط منه.
وعلى صعيد الوصف والتأسيس؛ فالعبرة ليست بالخطوة الأولى، ولا بما أفضت إليه فى المأسسة ونمذجة هياكل الحُكم لاحقًا؛ إنما فى موقع الشارع منها، وقت اندلاعها، وفيما بعد.
وإذ تبنّاها الناس، ووجدوا أنها تُعبّر عنهم، فحَمّلوها آمالهم العريضة، وفوّضوها فى العمل على إنجازها؛ فقد أصبحت مِلكًا لهم بالأصالة منذ اللحظة الأولى، بغضّ النظر عن هُوية الوكيل وخلفيّته وملبسه.
وما تُوصَم به لأن الجيش تقدّمها؛ أعاد المُغرضون إنتاجه مع نسخة أحدث منها، فى 30 يونيو 2013، بينما كان الشعب فى الواجهة، وانحصر دور المؤسسة العسكرية فى إسناده والانحياز لإرادته.. ومُطابقة التأصيل فى الحالين؛ ينزع الشبهة عنهما معًا!
باختصار؛ إنها ثورة كاملة الأوصاف والأهلية، كما أن انتفاضة الشارع ضد الإخوان كانت ثورة أيضًا.
صحيح أن يناير لم تُغيّر تركيبة النظام وقواعد عمله؛ لكن الجماعة الإرهابية كانت بصدد تغييره، واستنساخ الطبعة الدينية لولاية الفقيه فى إيران، ما يجعل إطاحتهم نقضًا لبنية سُلطة كان يُراد لها أن تسلخ مصر عن هُويّتها، وعن وعى المصريين بها وثقافتهم الراسخة.
لقد لعبوا أدوارًا تاريخية مُوثّقة لصالح الملكية بروافعها وشبكة مصالحها، وضد القوى الوطنية مُمثّلة فى الوفد وقتها.
وسعوا لابتلاع يوليو والجيش معًا؛ ثم عملوا على استغلال ورقة أحد القادة، قبل أن يصطدموا بالمشروع كله وصولاً لمحاولة اغتيال عبد الناصر.
وإذا كانت الحركة قد تفجّرت ضد القصر بالأصالة، وتركيبة الحُكم العاجزة عن تحقيق الاستقلال أو السيادة، أو حتى تثبيت الصيغة الديمقراطية؛ فإنها كانت فى الواقع انفجارًا فى وجه الرجعية بالإجمال، ومنها الإخوان بالضرورة. أى أن التحالف كان مرحليًّا، والصدام كان حتميًّا.
وفى هذا خيط اتّصال مع الثورة المُعاصرة؛ فالأولى كانت حصيلة الاحتلال والآمال الوطنية المُجهضة طيلة سبعة عقود.
والثانية استدركت على المحاولة الجديدة للاستتباع ورَهن الإرادة فى مُبتداها، وقبل أن تكتمل تحت مظلّة التنظيم الدولى للإخوان، أو عمالة الجماعة كُلّها لصالح قوى إقليمية تتطلع لاستعادة مواضيها الإمبراطورية.
والشبه العميق فى المضمون والأثر، تتجلّى ظلاله فى الوقائع والتواريخ. أنجزت يوليو حُلم الجلاء ليصير عيده فى الثامن عشر من يونيو، وأنقذت يونيو البلد وهُويّته من المُؤامرة، بخارطة الطريق فى الثالث من يوليو.
كأنها واقعة واحدة تتكرر، أو صورة تنعكس فى مرآة مستوية. كان النزاع مع المُحتل الإنجليزى وما اتّصل بوجوده من طبقة سياسية مُعتلّة.
وحديثًا مع طابورٍ خامسٍ كان يزرع العِلّة كمُقدّمة لاستقدام الوصىّ، والمفارقة أن الأول أشرف على تأسيس الثانى ورعاه؛ فكأن الاشتباك انتقل مع الزمن من الأصيل إلى الوكيل!
لستُ ناصريًّا؛ إنما لا أجحد حق الرجل فى الإنصاف، وقد لعب دورًا وطنيًّا وتأسيسيًّا مهمًّا فى مسيرة الجمهورية، وفى تثبيت البلد وعُمرانه وتنميته.
وليس القصد أنه كان نبيًّا مُنزّلاً، ولا أنه معصوم من الأخطاء. فقد أصاب وأخطأ، وأصدق ما يصح فيه قول الجواهرى: «لا يعصمُ المجدُ الرجال وإنما/ كان العظيم المجد والأخطاء».
وأقول دايمًا فى كل النقاشات؛ إن أشد ما يؤخَذ على الرئيس الراحل، أنه آمن بنفسه أكثر مِمّا وثق فى الثورة والثوار وقاعدتهم الشعبية العريضة.
يُلام على أنه قضى على السياسة، ولم يؤسِّس لصيغة ديمقراطية، ما كان ليخسَر فيها طوال حياته، فى ضوء شعبيته التى لا تُنكَر؛ إنما كانت مصر ستربح قطعًا، وسيربح المصريون بنية صُلبة، ناضجة، تشبه الثروة التى تزداد قيمة مع الوقت، وتغنى أصحابها عن الحاجة والخطر.
ويصح أن يُثبَت على يوليو أيضًا؛ أنها ضيّعت الكيف على طريق اهتمامها بالكَم، أكان فى تفتيت الملكية الزراعية، أم التوسُّع فى التعليم بلا خطة واضحة، وبما يتخطّى الإمكانات والحاجة الفعلية.
أمّمت الدولة بعدما كانت مشروعًا خاصًا، ووسّعت ملكيّتها؛ وإن تعثّرت فى استثمارها لصالح المُلاّك الجُدد على اتّساع قاعدتهم الجديدة.
أعداؤها لن يتخلّوا عن الملاحظات التى باتت مُملّة: الشمولية والتسلّط والنكسة وغيرها. وشيعتها سيستصحبون معهم كالعادة: الاستقلال والتحرر والسد العالى والخطط الخمسية.
وثورة يوليو ليست هذا وحده، ولا ذاك أيضًا؛ إنها الصورتان معًا، الجيد والسيئ، الرزانة والاندفاع، الخاص والعام، الشعبوية والعقلانية، وما أنجزته قصدًا وعرضًا، أو أخفقت فيه تحت الاحتمالين نفسيهما.
يوم أكبر من أن يُؤَطّر، أو يُحبَس فى ساعاته الأربعة والعشرين. أنتج مصرًا غير ما كانت، سيظل المنحازون لكلٍّ منهما على موقفه؛ وستظل العناوين تتكرر بلا حسم أو ملل، وفى تكرارها دليل على عُمق الحدث، وقيمته، وأثره الباقى، ورمادية بعض تفاصيله؛ رغمًا عن المُحبّين والكارهين معًا.