محمد الطماوى

التوجيهات التسع.. قراءة استراتيجية في خطاب الأوكتاجون

الأربعاء، 22 يوليو 2026 05:04 ص


هناك خطابات تُكتب لتواكب مناسبة، وهناك خطابات تلقى لتؤسس لمرحلة، وما صدر خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة "الأوكتاجون" ينتمي إلى النوع الثاني، فمن يقرأ الكلمات باعتبارها مجرد مجموعة من التكليفات الحكومية سيفوته المعنى الحقيقي، أما من يقرأها في سياق التحولات التي يشهدها العالم والإقليم، فسيدرك أن الدولة المصرية بدأت ترسم ملامح مرحلة جديدة لا تقوم فقط على حماية الحدود، وإنما على إعادة تعريف مفهوم القوة الوطنية الشاملة.

اختيار الرئيس عبدالفتاح السيسي، "الأوكتاجون" تحديدا لإطلاق هذه الرسائل لم يكن تفصيلا بروتوكوليا في وجهة نظري، فالمكان في السياسة يحمل دلالته بقدر ما تحملها الكلمات، فالحديث من داخل أكبر مركز للقيادة والسيطرة وإدارة الأزمات لا يعني أن الرسالة موجهة إلى القوات المسلحة وحدها، بل إلى مؤسسات الدولة كافة، ومفادها أن الأمن القومي لم يعد مفهوما عسكريًا ضيقا، وإنما أصبح منظومة متكاملة تبدأ من الاقتصاد ولا تنتهي عند الإعلام، وتمر عبر التعليم، والسياسة، والإدارة، والغذاء، والشفافية، والابتكار، ورأس المال البشري، فالدول في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة، وجذب الاستثمار، وتأمين الغذاء، وصناعة الإنسان، وإدارة الاختلاف، وبناء مؤسسات تستطيع الصمود أمام الصدمات العالمية.

ولعل أول ما يلفت الانتباه أن الخطاب حمل إعلانا ضمنيا عن نهاية مرحلة اقتصادية وبداية أخرى، فعندما يتحدث عن إعداد برنامج اقتصادي وطني يبدأ بعد انتهاء برنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي، فإن الرسالة لا تتعلق فقط بتغيير اسم برنامج أو استبدال وثيقة بأخرى، وإنما تعكس رغبة في الانتقال من اقتصاد كان تركيزه الأساسي استعادة التوازنات المالية والنقدية إلى اقتصاد يصبح معيار نجاحه الحقيقي هو قدرته على تحقيق النمو المستدام، ورفع الإنتاجية، وتعميق التصنيع، وزيادة الصادرات، وخلق فرص العمل، وتعزيز القدرة التنافسية، إنها محاولة للانتقال من إدارة الضرورات إلى صناعة الفرص، ومن اقتصاد يتعامل مع الأزمات إلى اقتصاد يبني مزايا استراتيجية طويلة الأجل.

وفي السياق نفسه، جاء التأكيد على الإسراع في تنفيذ المرحلة الثانية من تخارج الدولة من الأنشطة الاقتصادية ليبعث برسالة أكثر وضوحا إلى الأسواق، فالتجارب الدولية أثبتت أن الدولة كلما انشغلت بدور المستثمر المباشر، تراجعت قدرتها على أداء أدوارها الأساسية كمنظم، ورقيب، وصانع للسياسات، أما حين تركز على تهيئة البيئة الاستثمارية، وحماية المنافسة، وضمان العدالة والشفافية، فإنها تفتح المجال أمام القطاع الخاص ليصبح المحرك الرئيسي للنمو، ولذلك فإن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بعدد الأصول التي ستنتقل إلى القطاع الخاص، بل بقدرة الاقتصاد على جذب استثمارات جديدة، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وزيادة مساهمة الصناعات ذات القيمة المضافة، وتحسين ترتيب مصر في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال والتنافسية العالمية.

لكن الخطاب لم يتوقف عند الاقتصاد الكلي، بل انتقل مباشرة إلى المواطن، حين جرى تكليف جهاز مستقبل مصر بإعداد برنامج لتخفيف الأعباء المعيشية وضمان توافر السلع، وهذه نقطة تحمل أبعادا أعمق من مجرد إدارة الأسواق أو ضبط الأسعار، فالعالم يعيش منذ سنوات حالة من عدم اليقين بسبب الحروب، واضطراب سلاسل الإمداد، والتغيرات المناخية، والتقلبات الحادة في أسعار الغذاء والطاقة، ومن ثم فإن الأمن الغذائي لم يعد ملفًا زراعيًا، بل تحول إلى أحد أهم مكونات الأمن القومي، والدولة التي تستطيع أن توفر احتياجات شعبها في أوقات الأزمات هي الدولة الأكثر قدرة على الحفاظ على استقرارها السياسي والاجتماعي، لذلك فإن التكليف يعكس ضرورة بناء منظومة مستدامة للأمن الغذائي تقلل من هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.

ومن بين أكثر الرسائل دلالة في الخطاب الدعوة إلى فتح المجال أمام حوار إعلامي يقوم على الرأي والرأي الآخر، مع عقد اجتماع سنوي لمراجعة أوضاع الإعلام، فهذه الإشارة جاءت في توقيت يشهد فيه العالم تحولًا جذريا في صناعة الإعلام، حيث لم تعد المنافسة بين الصحف والقنوات، بل بين المؤسسات المهنية ومنصات التواصل والخوارزميات والذكاء الاصطناعي، والإعلام اليوم لم يعد مجرد ناقل للمعلومات، بل أصبح ساحة للصراع على تشكيل الوعي وصناعة الإدراك العام، وبالتالي أصبح من الضروري تطوير الإعلام الذي لا ينبغي أن يفهم باعتباره تحسينا لأداء المؤسسات فقط، وإنما إعادة بناء منظومة كاملة قادرة على استعادة الثقة، ومواجهة المعلومات المضللة، وإنتاج محتوى احترافي ينافس في عصر أصبحت فيه المعلومة تنتشر عالميًا في ثوانٍ معدودة.

وفي السياق ذاته، جاء الحديث عن تنشيط الحياة السياسية وإجراء انتخابات المجالس المحلية ليؤكد أن التنمية لا يمكن أن تعتمد على الاقتصاد وحده، بل تحتاج أيضًا إلى مؤسسات سياسية أكثر حيوية وقدرة على استيعاب الطاقات المجتمعية، فالمجالس المحلية ليست مجرد هياكل إدارية تقدم خدمات، وإنما تمثل المدرسة الأولى لإعداد القيادات السياسية، والمساحة الأقرب للمواطن لممارسة الرقابة والمشاركة في صنع القرار. وكلما اتسعت دوائر المشاركة، ازدادت قدرة الدولة على اكتشاف الكفاءات وتجديد نخبها السياسية والإدارية.

ثم جاءت الإشارة إلى مكافحة الفساد لتعكس إدراكا متزايدا بأن معركة التنمية لا تُحسم فقط بحجم الاستثمارات، وإنما بجودة المؤسسات فالفساد لا يهدر المال العام فحسب، بل يرفع تكلفة الاستثمار، ويضعف الثقة في الأسواق، ويقوض العدالة التنافسية، ويحد من كفاءة الإنفاق الحكومي، لذلك فإن تعزيز الشفافية والحوكمة ليس مطلبا أخلاقيا فقط، وإنما ضرورة اقتصادية تفرضها المنافسة العالمية، لأن المستثمر يبحث أولا عن بيئة مستقرة، ومؤسسات عادلة، وقواعد واضحة، قبل أن يبحث عن الحوافز والإعفاءات.

وعندما انتقل الخطاب إلى التعليم، كان واضحا أن الرؤية تتجاوز إصلاح المناهج أو تطوير المدارس، فالربط بين التعليم واحتياجات سوق العمل يعكس إدراكا بأن الثروة الحقيقية في العصر الحديث لم تعد تُقاس بما تمتلكه الدول من موارد طبيعية، بل بما تمتلكه من عقول قادرة على الابتكار والإنتاج والتكيف مع الثورة الصناعية الرابعة. والاقتصادات التي ستقود العالم خلال العقود المقبلة هي تلك التي تستطيع تحويل جامعاتها ومراكزها البحثية إلى مصانع للأفكار والابتكار، وليس فقط إلى مؤسسات تمنح الشهادات.

ومن هنا بدا الحديث عن اكتشاف الموهوبين ورعايتهم امتدادا طبيعيا لهذه الرؤية، فالدول التي تستثمر في العقول منذ سنواتها الأولى تحصد لاحقا علماء ومبتكرين ورواد أعمال وقادة يصنعون الفارق في الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا، والموهبة ليست ترفًا ثقافيا، بل أصلًا اقتصاديًا واستراتيجيًا بالغ القيمة، لأن الابتكار أصبح اليوم المصدر الأهم للقوة والنفوذ في العالم.

أما إعادة هيكلة جهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فهي في جوهرها اعتراف بأن مستقبل الاقتصادات لا تصنعه الشركات العملاقة وحدها، بل ملايين المشروعات الصغيرة التي توفر الوظائف، وتدعم الصناعات المغذية، وتولد الابتكار، وتوسع الطبقة المنتجة، فكل تجربة تنموية ناجحة، من شرق آسيا إلى أوروبا، انطلقت من قاعدة واسعة من رواد الأعمال الذين وجدوا مؤسسات تمولهم، وتشريعات تحميهم، وإدارة تيسر أعمالهم، لا تعرقلها.

وعند جمع هذه التوجيهات في سياق واحد، تتضح الصورة بصورة أكثر اكتمالًا، فنحن لسنا أمام قرارات متفرقة، بل أمام رؤية تحاول إعادة ترتيب أولويات الدولة بعد سنوات انشغلت فيها ببناء الطرق، والمدن الجديدة، والبنية الأساسية، واستعادة الاستقرار، وإذا كانت المرحلة السابقة قد ركزت على تشييد البنية التحتية للدولة، فإن المرحلة التي توحي بها هذه الرسائل تبدو أكثر تركيزًا على بناء كفاءة المؤسسات، وتعزيز جودة السياسات العامة، ورفع تنافسية الاقتصاد، والاستثمار في الإنسان باعتباره الأصل الأكثر قيمة.

وهنا تكمن الرسالة الأعمق لخطاب الأوكتاجون، فالقوة الشاملة للدولة لم تعد تختزل في قدرتها على خوض الحروب، وإنما في قدرتها على منع الأزمات قبل وقوعها، وعلى إدارة مواردها بكفاءة، وبناء اقتصاد مرن، وإعلام مهني، وتعليم منتج، ومؤسسات شفافة، ومجتمع يشارك في صناعة مستقبله. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة غير مسبوقة، فإن الدولة التي تنتصر ليست دائمًا صاحبة السلاح الأقوى، بل صاحبة الرؤية الأبعد، والمؤسسات الأكثر كفاءة، والإنسان الأكثر تأهيلًا، ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة خطاب الأوكتاجون باعتباره إعلانا عن انتقال الدولة المصرية من مرحلة تثبيت الأركان إلى مرحلة تعظيم القوة الوطنية الشاملة، وهي مرحلة سيكون معيار نجاحها الحقيقي ليس ما يعلن من تكليفات، وإنما ما يتحول منها إلى سياسات قابلة للتنفيذ، ومؤشرات قابلة للقياس، ونتائج يلمسها المواطن في حياته اليومية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة