لم تعد الخلافات التى تضرب جماعة الإخوان الإرهابية فى الخارج مجرد صراع تنظيمى بين جبهات متنافسة، بل تحولت إلى مرآة تكشف طبيعة العلاقة التى تربط الجماعة بحلفائها والمنصات التى أنشأتها على مدار السنوات الماضية. فمع تراجع النفوذ وانكماش مصادر الدعم، سقطت شعارات الشراكة ووحدة الصف أمام واقع مختلف، يقوم على توزيع الأدوار وفقًا للمصلحة، بينما يظل القرار والموارد فى يد دائرة محدودة من القيادات. ومع كل أزمة جديدة، يجد الحلفاء أنفسهم أول من يدفع الثمن، سواء عبر تجميد الأنشطة أو توقف التمويل أو الانسحاب من المشهد، لتتكشف تدريجيًا طبيعة إدارة الجماعة لتحالفاتها الخارجية.
التحالف بقدر المنفعة.. شراكات مؤقتة لا تصمد أمام الأزمات
منذ انتقال جانب كبير من نشاط الجماعة الإرهابية إلى الخارج، عملت على إنشاء شبكة واسعة من الكيانات الإعلامية والحقوقية والسياسية، وقدمتها باعتبارها مظلة تجمع مختلف التيارات والشخصيات المتحالفة معها. واستطاعت هذه المنصات فى البداية استقطاب عدد من النشطاء والإعلاميين والمتعاونين، مستفيدة من حالة الزخم التى أعقبت خروج قيادات التنظيم إلى الخارج.
لكن هذه الشراكات لم تقم على أسس مؤسسية مستقرة، بل ارتبطت بدرجة كبيرة بوجود التمويل وتوافق المصالح، ومع أولى الأزمات بدأت الخلافات تظهر بصورة واضحة، بعدما شعر كثير من المشاركين بأنهم يؤدون أدوارًا تنفيذية فقط، بينما تظل الملفات المؤثرة والقرارات الرئيسية محصورة داخل دائرة ضيقة من القيادات.
وأظهرت التطورات المتلاحقة أن الجماعة لم تتعامل مع هذه الكيانات باعتبارها شركاء متساوين، وإنما باعتبارها أدوات يمكن الاستفادة منها طالما تخدم أهدافها، ثم يمكن الاستغناء عنها عندما تتغير الأولويات أو تتراجع الإمكانات.
التمويل.. كلمة السر فى معظم الأزمات
تكشف الوقائع المتكررة أن ملف التمويل كان حاضرًا فى أغلب الخلافات التى شهدتها الجماعة الإرهابية خلال السنوات الأخيرة فمع تراجع الموارد تصاعدت المنافسة بين الكيانات المختلفة للحصول على النصيب الأكبر من الدعم، وظهرت خلافات حول أوجه الإنفاق، وأولويات الصرف، وإدارة المشروعات التى أُنشئت فى الخارج.
ومع مرور الوقت، خرجت إلى العلن اتهامات متبادلة بشأن سوء إدارة الأموال، وعدم وضوح آليات توزيع الموارد، وهو ما عمق حالة الانقسام، وأدى إلى تراجع الثقة بين القيادات وعدد من المتعاونين مع تلك الكيانات.
ولم تعد الأزمة مقتصرة على نقص التمويل، بل امتدت إلى طريقة إدارته، حيث برزت شكاوى من غياب الشفافية، واحتكار بعض الدوائر للقرارات المالية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على استمرار عدد من المنصات والأنشطة.
منصة «ميدان».. من مشروع للتوسع إلى نموذج لأزمة الإدارة
عندما أُطلقت منصة "ميدان" الإرخوانية، جرى الترويج لها باعتبارها خطوة جديدة لإعادة ترتيب الصفوف، وتوسيع النشاط الإعلامى والسياسى فى الخارج، واستقطاب عناصر وشخصيات جديدة تحت مظلة واحدة.
غير أن هذا الطرح لم يدم طويلًا، إذ بدأت مؤشرات التراجع تظهر تدريجيًا، سواء على مستوى النشاط أو حجم التفاعل، بالتزامن مع خلافات داخلية وانسحاب عدد من المتعاونين، وشكاوى من ضعف الإمكانات وتراجع الدعم.
وأصبحت المنصة، التى كان يُراد لها أن تكون نقطة انطلاق جديدة، نموذجًا يعكس طبيعة الأزمات التى تواجهها الجماعة فى إدارة الكيانات التابعة لها، حيث طغت الخلافات التنظيمية والمالية على الأهداف التى أُنشئت من أجلها، وتحولت من مساحة لتوحيد الصف إلى ساحة تعكس حجم الانقسام داخل التنظيم.
الانقسام التنظيمى.. قيادات متعددة وشرعيات متصارعة
لم تتوقف الأزمة عند حدود المنصات الإعلامية، بل امتدت إلى البنية التنظيمية نفسها، بعدما دخلت الجماعة فى انقسامات حادة أفرزت جبهات متنافسة، لكل منها قيادة تعتبر نفسها صاحبة الشرعية، ولكل منها بياناتها وقراراتها وهياكلها التنظيمية.
وتبادل كل طرف قرارات العزل والتجميد وإعادة تشكيل اللجان، فى مشهد كشف حجم الصراع على النفوذ وإدارة التنظيم، بينما انعكس هذا الانقسام على مختلف الكيانات المرتبطة بالجماعة، التى وجدت نفسها مضطرة إلى الانحياز لهذا الطرف أو ذاك.
كما أدى هذا الوضع إلى ازدواجية فى القرار، وتضارب فى المواقف، الأمر الذى أضعف قدرة الجماعة على إدارة شبكتها الخارجية، وأفقد كثيرًا من الكيانات القدرة على الاستمرار بالوتيرة نفسها.
المنصات الإعلامية.. من أدوات للدعاية إلى منصات لتصفية الحسابات
كانت المنصات الإعلامية تمثل إحدى أهم أدوات الجماعة الإرهابية فى الخارج، غير أن اتساع الخلافات الداخلية انعكس سريعًا على أدائها، فتحولت من وسائل لترويج خطاب موحد إلى ساحات لتبادل الانتقادات والاتهامات بين أطراف الأزمة.
وشهدت هذه المنصات رسائل متبادلة، وانتقادات علنية، وتسريبات عكست حجم الاحتقان داخل الصف الإخوانى، وهو ما منح الرأى العام فرصة للاطلاع على جانب من الخلافات التى كانت تدار سابقًا بعيدًا عن الأضواء.
وأصبح واضحًا أن الأدوات التى صُنعت للدفاع عن التنظيم باتت تكشف أزماته الداخلية، بعدما تحولت إلى منابر للصراع بدلاً من أن تكون وسيلة للحشد والتماسك.
الحلفاء أول من يدفع الثمن
فى كل محطة من محطات الأزمة كان الحلفاء والكيانات المرتبطة بالجماعة هم الحلقة الأضعف فمع تراجع الدعم، تقلصت الأنشطة، وتوقفت بعض المبادرات، واختفت كيانات من المشهد، بينما اختار آخرون الابتعاد بعد أن فقدوا الغطاء السياسى أو المالى الذى كانوا يعتمدون عليه.
كما دفعت شخصيات تعاونت مع الجماعة ثمن الانقسامات، بعدما أصبحت طرفًا فى صراعات لم تكن جزءًا منها، أو وجدت نفسها خارج دائرة الاهتمام بمجرد تغير موازين القوى داخل التنظيم.
وتعكس هذه الوقائع أن العلاقة بين الجماعة وحلفائها ارتبطت غالبًا بحسابات المنفعة، أكثر من ارتباطها بشراكة مؤسسية طويلة الأمد.
المكاسب للقيادات.. والأزمات للحلفاء
تُظهر مسار الأحداث خلال السنوات الأخيرة أن الجماعة حافظت على تمركز النفوذ والقرار داخل دائرة محدودة من قياداتها، بينما تحملت المنصات والكيانات المتحالفة معها العبء الأكبر للأزمات المتلاحقة. فكلما تراجع الدعم أو اشتدت الخلافات، كانت هذه الكيانات أول من يتأثر، سواء بتوقف النشاط أو الانسحاب من المشهد أو تفكك التحالفات التى قامت عليها.
ومع استمرار الانقسامات، لم تعد الأزمة تقتصر على صراع بين جبهات متنافسة، بل امتدت إلى بنية الشبكة التى بنتها الجماعة فى الخارج، والتى بدأت تفقد تدريجيًا قدرتها على الاستمرار بالفاعلية نفسها. وبينما احتفظت دوائر القيادة بإدارة القرار والموارد، وجد كثير من الحلفاء أنفسهم أمام واقع مختلف، يكشف أن التحالفات داخل التنظيم ظلت مرتبطة بحسابات المصلحة أكثر من ارتباطها بمفهوم الشراكة، وهو ما حول كثيرًا من تلك الكيانات من أدوات توسع إلى عناوين لأزمة متفاقمة داخل الجماعة.