سنوات قليلة كانت كفيلة بأن تغيير الجغرافيا والتاريخ معاً .. كان هذا هو الأثر الذي خلفته ثورة 23 يوليو 1952 في دول الجوار لتقود شرارة حرب واسعة ضد الاستعمار، امتد صداها ليجتاز العالمين العربي والأفريقي، ليشمل أدواراً ولو بسيطة في دعم حركات التحرر في دول أمريكا اللاتينية وآسيا علي حد سواء.
وفى السنوات الأولي من عمر الثورة ، كان الادراك حاضراً لدي الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بأن الأمن القومي المصري لن يستقر ما لم يكن الجوار العربي والأفريقي حراً من قيود الاستعمار، فلم يكن دعم حركات التحرر الوطني الأفريقية مجرد توجه سياسي فرضته ظروف الحرب الباردة، بل كان جزءًا أصيلًا من رؤية استراتيجية راسخة تضع ضمن أولوياتها ضرورة التحرر من التبعية الأجنبية.
وتبنت القاهرة رؤية تقوم على أن تحرير أفريقيا ليس واجبًا أخلاقيًا فحسب، وإنما ضرورة استراتيجية ترتبط بالأمن القومي المصري، وبمستقبل دول الجنوب في مواجهة النفوذ الاستعماري.
وخلال أقل من عقدين، تحولت القاهرة إلى العاصمة السياسية لحركات التحرر الوطني في أفريقيا، تستقبل قادتها، وتوفر لهم المنابر الإعلامية، والتدريب العسكري، والدعم الدبلوماسي، حتى أصبحت مصر أحد أهم الفاعلين في تصفية الاستعمار بالقارة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
وتشير وثائق الأمم المتحدة، وأرشيف منظمة الوحدة الأفريقية، ودراسات أكاديمية صادرة عن مراكز أبحاث متخصصة، إلى أن الدور المصري لم يقتصر على إعلان التأييد السياسي، بل شمل منظومة متكاملة جمعت بين القوة الناعمة والعمل الدبلوماسي والمساندة العسكرية، وأسهمت في استقلال عدد من الدول الأفريقية، وترسيخ فكرة الوحدة بين شعوب القارة.
ومن هذا المنطلق أصبحت أفريقيا جزءًا من العقيدة السياسية للدولة المصرية، وليس مجرد ملف دبلوماسي، فوجهت القاهرة إمكاناتها لدعم الشعوب التي كانت تناضل من أجل الاستقلال، معتبرة أن تحريرها يعزز أمن المنطقة بأكملها.
القاهرة تتحول إلى عاصمة لحركات التحرر
ومع تصاعد حركات المقاومة ضد الاستعمار الأوروبي، فتحت القاهرة أبوابها لزعماء التحرر الأفريقي، وتحولت إلى ملتقى دائم للنشطاء والسياسيين وقادة الكفاح المسلح.
واستضافت مصر ممثلي عشرات الحركات الوطنية، ومنحتهم حرية العمل السياسي والإعلامي، كما أتاحت لهم التواصل مع الحكومات والمنظمات الدولية، في وقت كانت فيه كثير من العواصم تغلق أبوابها أمامهم.
واحتضنت القاهرة شخصيات أصبحت لاحقًا رموزًا للاستقلال، من بينهم كوامي نكروما، وأحمد سيكو توري، وجوليوس نيريري، وباتريس لومومبا، وجومو كينياتا، وقادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وقيادات الحركة الشعبية لتحرير أنجولا، وحركة فريليمو في موزمبيق، إضافة إلى ممثلين عن المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا.
الرابطة الأفريقية.. مدرسة إعداد قادة الاستقلال
ومن أهم أدوات هذا المشروع تأسيس الرابطة الأفريقية بالقاهرة عام 1955، التي ضمت ممثلين لنحو تسع عشرة حركة تحرر وطنية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى الجمعية الأفريقية.
ولم تكن الرابطة مجرد مقر للاجتماعات، بل أصبحت مركزًا للتنسيق السياسي، وصياغة البيانات، وتنظيم المؤتمرات، وإعداد الكوادر السياسية والإعلامية، فضلاً عن توفير الدعم اللوجستي للحركات الوطنية.
ولعبت الجمعية الأفريقية دورًا محوريًا في إعداد جيل من القادة الذين تسلموا السلطة في دولهم بعد الاستقلال، كما ساهمت في بناء شبكة تضامن أفريقية استمرت حتى تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية.
صوت أفريقيا.. حين أصبحت الإذاعة سلاحًا في مواجهة الاستعمار
إذا كان السلاح قد حسم معارك كثيرة في أفريقيا، فإن القاهرة أدركت مبكرًا أن الحرب ضد الاستعمار تبدأ بالكلمة.
ولهذا أنشأت مصر خدمة "صوت أفريقيا" الإذاعية، التي بثت برامجها بعشرات اللغات واللهجات الأفريقية، لتصل إلى أنحاء القارة كافة، حاملة رسائل الحرية والاستقلال، وناقلة أخبار حركات التحرر التي كانت السلطات الاستعمارية تحظر تداولها.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الخدمة الإذاعية كانت تبث بأكثر من ثلاثين لغة أفريقية، واستهدفت مخاطبة الشعوب بلغاتها المحلية، وهو ما منحها تأثيرًا واسعًا، خاصة في شرق أفريقيا ووسطها وغربها.
ولعبت الإذاعة دورًا بارزًا في دعم ثورة "الماو ماو" في كينيا، والتعريف بالقضية الجزائرية، ومساندة حركات التحرر في أنجولا وموزمبيق وروديسيا الجنوبية، كما أصبحت منبرًا لتبادل الرسائل بين قادة الكفاح الوطني داخل القارة وخارجها.
ويرى مؤرخون أن "صوت أفريقيا" مثلت أحد أبرز أدوات القوة الناعمة المصرية، وأسهمت في كسر الاحتكار الإعلامي الذي فرضته القوى الاستعمارية على الشعوب الأفريقية.
السلاح والتدريب والدبلوماسية.. ثلاثية مصر لدعم الثوار
لم يقتصر الدور المصري على الإعلام، بل امتد إلى تقديم الدعم العسكري المباشر، والتدريب، والإسناد اللوجستي، إلى جانب التحرك السياسي داخل الأمم المتحدة والمحافل الدولية.
وتعد الثورة الجزائرية المثال الأبرز على هذا الدعم، إذ قدمت القاهرة السلاح والتدريب والمساعدات اللوجستية لجبهة التحرير الوطني منذ اندلاع الثورة عام 1954، كما وفرت لها منابر إعلامية ودبلوماسية، واستقبلت قادتها، وسعت إلى تدويل القضية الجزائرية حتى نالت الجزائر استقلالها عام 1962.
وامتد الدعم المصري إلى حركات التحرر في أنجولا، وموزمبيق، والكونغو، وغينيا بيساو، وروديسيا الجنوبية، كما شاركت القاهرة في لجنة تحرير أفريقيا التابعة لمنظمة الوحدة الأفريقية، التي تولت تنسيق الدعم العسكري والمالي واللوجستي لحركات التحرر في الجنوب الأفريقي.
عبد الناصر وقادة التحرر.. شبكة علاقات تجاوزت أفريقيا
لم يكن تأثير عبد الناصر مقتصرًا على القارة الأفريقية، بل نسج شبكة واسعة من العلاقات مع أبرز قادة التحرر في العالم، مؤمنًا بأن مواجهة الاستعمار تتطلب جبهة دولية موحدة.
ففي أفريقيا، ارتبط بعلاقات وثيقة مع كوامي نكروما، وأحمد سيكو توري، وجوليوس نيريري، وباتريس لومومبا، وجومو كينياتا، كما دعم المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، وقدم المساندة السياسية لقياداته في مواجهة نظام الفصل العنصري.
وعلى المستوى الدولي، أقام علاقات استراتيجية مع جواهر لال نهرو أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال، وجوزيف بروز تيتو وهو رجل ثورى عسكرى، فخلال الحرب العالمية الثانية كان تيتو رئيس المقاومة اليوغسلافية ضد الاحتلال النازى وجمعته صداقة قوية بجمال عبد الناصر، وسوكارنو أول رئيس لإندونيسيا بعد الاستقلال، وتشو إن لاي أول رئيس وزراء لجمهورية الصين الشعبية، لتتشكل نواة تحالف عالمي لدول الجنوب في مواجهة الاستقطاب الدولي.
من باندونج إلى عدم الانحياز.. ميلاد صوت الجنوب
جاء مؤتمر باندونج بإندونيسيا عام 1955 ليؤسس مرحلة جديدة في العلاقات الدولية، بعدما جمع للمرة الأولى قادة الدول الآسيوية والأفريقية المستقلة.
وكان عبد الناصر أحد أبرز المشاركين في المؤتمر، الذي دعا إلى احترام سيادة الدول، ورفض الاستعمار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعايش السلمي بين الشعوب.وشكلت مبادئ باندونج الأساس الذي انطلقت منه حركة عدم الانحياز في مؤتمر بلجراد عام 1961، بمشاركة عبد الناصر، ونهرو، وتيتو، وسوكارنو، وكوامي نكروما، لتصبح الحركة مظلة سياسية للدول حديثة الاستقلال، ومنبرًا للدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيدًا عن صراعات الحرب الباردة.
المؤتمر الأفروآسيوي.. القاهرة تجمع حركات التحرر
وفي عام 1957، استضافت القاهرة مؤتمر التضامن الأفروآسيوي، الذي جمع ممثلين عن عشرات الدول وحركات التحرر.
وشكل المؤتمر محطة مهمة لتنسيق جهود الكفاح الوطني، وتبادل الخبرات، وتعزيز التعاون بين الحركات المناهضة للاستعمار، كما عزز مكانة القاهرة باعتبارها مركزًا سياسيًا يجمع قادة آسيا وأفريقيا حول هدف واحد هو إنهاء الاستعمار.
مصر تحمي استقلال أفريقيا بعد التحرير
لم يتوقف الدور المصري عند لحظة الاستقلال، بل امتد إلى حماية الدول الأفريقية من التفكك، فعندما أعلن مويس تشومبي انفصال إقليم كاتنجا عن الكونغو عام 1960، شاركت مصر بقوات ضمن بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام، وكان من بين قادتها الفريق سعد الدين الشاذلي.
وبعد اغتيال الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا عام 1961، نجحت البعثة المصرية، بتوجيه من عبد الناصر، في تأمين عائلته ونقلهم إلى القاهرة بجوازات سفر مصرية، في خطوة عكست التزام مصر بحماية رموز التحرر الأفريقي.
كما قدمت القاهرة دعمًا سياسيًا وفنيًا وعسكريًا للحكومة النيجيرية خلال الحرب الأهلية النيجيرية المعروفة بـ"حرب بيافرا" بين عامي 1967 و1970، انطلاقًا من رفضها تقسيم الدول الأفريقية.
مواجهة الفصل العنصري
احتلت قضية جنوب أفريقيا مكانة بارزة في السياسة المصرية، إذ كان عبد الناصر من أوائل القادة الذين أدانوا نظام الفصل العنصري، وفي عام 1961، قطعت مصر علاقاتها مع حكومة بريتوريا، وواصلت دعم المؤتمر الوطني الأفريقي في المحافل الدولية، كما ساندت قرارات الأمم المتحدة المطالبة بفرض عزلة دولية على النظام العنصري، حتى سقوطه مطلع تسعينيات القرن الماضي.
منظمة الوحدة الأفريقية.. تتويج المشروع الناصري
بلغ المشروع الأفريقي لعبد الناصر ذروته بالمشاركة في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية في أديس أبابا عام 1963، إلى جانب كوامي نكروما، وأحمد سيكو توري، وجوليوس نيريري، والإمبراطور هيلا سيلاسي.
وجاء تأسيس المنظمة بعد جهود مكثفة لتقريب وجهات النظر بين دول مجموعة الدار البيضاء التي كانت تدعو إلى وحدة سياسية سريعة، ودول مجموعة مونروفيا التي فضلت التعاون التدريجي، وأسهم عبد الناصر في تقريب المواقف وصولًا إلى صيغة توافقية حافظت على وحدة القارة.
ورأى عبد الناصر أن الاستقلال السياسي لن يكتمل إلا بإقامة مؤسسات أفريقية قادرة على حماية سيادة الدول، وتعزيز التعاون الاقتصادي، ومواجهة ما وصفه بـ"الاستعمار الجديد"، وهو ما انعكس في كلمته أمام القمة التأسيسية، التي دعا فيها إلى بناء إرادة أفريقية موحدة تحقق التنمية وتحمي الاستقلال.
إرث لا يزال حاضرًا
بعد أكثر من نصف قرن على رحيل جمال عبد الناصر، لا يزال حضوره حاضرًا في الذاكرة السياسية الأفريقية، فالكثير من المتاحف ومراكز الدراسات والوثائق الرسمية في عدد من الدول الأفريقية توثق حجم المساندة المصرية لحركات التحرر، كما يستحضر الاتحاد الأفريقي هذا الإرث عند تناول تاريخ تصفية الاستعمار في القارة.
ويرى مؤرخون أن تجربة القاهرة في تلك الحقبة مثلت نموذجًا فريدًا لدبلوماسية جمعت بين الإعلام والسياسة والدعم العسكري والثقافي، فكانت إذاعة "صوت أفريقيا" تخاطب الشعوب، وكانت الرابطة الأفريقية تؤهل القيادات، وكانت المؤتمرات الدولية تمنحها الشرعية، بينما وفر الدعم العسكري للحركات الوطنية القدرة على الصمود في مواجهة الاستعمار.
وبهذه الأدوات مجتمعة، تحولت القاهرة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي إلى القلب النابض لحركات التحرر الوطني، وأسهمت في رسم ملامح أفريقيا الحديثة، ورسخت مكانة مصر باعتبارها أحد أبرز الداعمين لاستقلال القارة ووحدتها في القرن العشرين.