لا يكاد يخلو عيد ميلاد من مشهد مألوف، كعكة تتوسطها شموع مضاءة، وأصدقاء أو أفراد عائلة يغنون، ثم لحظة صمت قصيرة يغمض فيها صاحب المناسبة عينيه، يتمنى أمنية في سره، ويحاول إطفاء الشموع دفعة واحدة.
ورغم أن هذا المشهد أصبح جزءًا من ثقافات مختلفة حول العالم، فإن أصوله تعود إلى قرون طويلة، ولا تزال بعض تفاصيلها محل نقاش بين المؤرخين، فالبعض يرجع اصولها الي ألمانيا والبعض الآخر يربطها بطقوس دينية في اليونان القديمة.
هل بدأت العادة في اليونان القديمة؟
تعد إحدى أكثر الروايات انتشارًا أن الإغريق كانوا يقدمون كعكات دائرية للإلهة أرتميس، إلهة القمر والصيد، في طقوس دينية مرتبطة بعبادتها، وكانت الكعكات تصنع بشكل يشبه القمر، فيما تشير بعض التفسيرات الحديثة إلى أنها ربما زُينت بلهب أو شموع ليحاكي ضوءها نور القمر.
كما ارتبط الدخان المتصاعد من النار في كثير من الطقوس القديمة بفكرة حمل الصلوات أو القرابين إلى السماء.
انتقلت بعض العادات الاحتفالية إلى الرومان، الذين اعتادوا إعداد كعكات محلاة بالعسل والدقيق للاحتفال بأعياد ميلاد شخصيات بارزة، ثم امتد التقليد تدريجيًا إلى شرائح أوسع من المجتمع.
لكن لم يكن الاحتفال آنذاك يتضمن الطقس المعروف اليوم، المتمثل في إطفاء الشموع مع تمني أمنية، وهو ما يشير إلى أن هذا العنصر ظهر في مرحلة تاريخية لاحقة.
ألمانيا صنعت الشكل الذي نعرفه اليوم
يرى معظم الباحثين أن الشكل الحديث لاحتفال عيد الميلاد تبلور في ألمانيا خلال القرن الثامن عشر، من خلال احتفال الأطفال المعروف باسم Kinderfest.
كانت الكعكة تزين بعدد من الشموع يساوي عمر الطفل، مع شمعة إضافية ترمز إلى عام جديد أو إلى ما عرف بـ”نور الحياة”، وكانت الشموع تشعل صباحًا وتترك مضاءة حتى نهاية اليوم، قبل أن يطفئها الطفل في ختام الاحتفال.
من أين جاءت "الأمنية السرية"؟
ترتبط عادة تمني أمنية قبل إطفاء الشموع بالموروث الشعبي الألماني، فقد اعتقد الناس أن الأمنية تزداد فرص تحققها إذا بقيت سرًا، وأن النجاح في إطفاء جميع الشموع في نفس واحد يعد فألًا حسنًا.
ومع هجرة أعداد كبيرة من الألمان إلى الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر، انتقلت تقاليد Kinderfest إلى المجتمع الأمريكي، ثم ساعدت وسائل الإعلام وصناعة الحلويات والمنتجات التجارية على انتشارها عالميًا خلال القرن العشرين.
وبحلول عشرينيات القرن الماضي أصبحت الشموع المخصصة لأعياد الميلاد تنتج على نطاق واسع، وتحولت الكعكة المزينة بالشموع إلى رمز عالمي للاحتفال بعيد الميلاد، بغض النظر عن الخلفية الدينية أو الثقافية.
فإطفاء الشموع اصبح يعبر عنه كلحظة احتفالية ترمز إلى مرور عام من العمر، وبداية عام جديد يحمل آمالًا وأمنيات جديدة، وهو ما يفسر استمرار هذه العادة وانتشارها في ثقافات متباينة حول العالم.