سلاح الإخوان ينقلب على أهله.. عبد الرحمن السندي من قائد «النظام الخاص» إلى أخطر خصوم الجماعة.. صراع النفوذ ينتهى باغتيال سيد فايز.. والتنظيم السرى يتحول من ذراع للقيادة إلى تهديد يضرب الجميع

السبت، 18 يوليو 2026 08:00 م
سلاح الإخوان ينقلب على أهله.. عبد الرحمن السندي من قائد «النظام الخاص» إلى أخطر خصوم الجماعة.. صراع النفوذ ينتهى باغتيال سيد فايز.. والتنظيم السرى يتحول من ذراع للقيادة إلى تهديد يضرب الجميع حسن الهضيبي وعبد الرحمن السندى

كتبت: سمر سلامة

يمثل عبد الرحمن السندي قائد الجناح السري داخل جماعة الإخوان الإرهابية نموذجًا مبكرًا لتحول التنظيم من العمل الدعوي العلني إلى بناء قوة موازية تمتلك هيكلها الخاص، ووسائلها السرية، وأدواتها المسلحة، وقواعدها المستقلة في تنفيذ ما تعتبره الجماعة «مهام» لا تخضع بالضرورة للقانون أو مؤسسات الدولة.

 

في عام 1940، تولى السندي قيادة «النظام الخاص»، وهو التشكيل السري الذي أنشأه حسن البنا تحت مبررات مرتبطة بمقاومة الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني في فلسطين، لكن هذا الجهاز سرعان ما تجاوز الإطار المعلن له، ليتحول إلى تنظيم شديد السرية، قادر على التخطيط للاغتيالات والتفجيرات وأعمال التخريب، وعلى تنفيذ عملياته بعيدًا عن الهياكل العلنية للجماعة.

 

هنا بدأت قصة السندي الحقيقية، قصة رجل لم يكن الأكثر حضورًا في الخطاب العام، لكنه كان في قلب أكثر الملفات دموية وغموضًا في تاريخ التنظيم.

 

تنظيم لا يعرف أفراده بعضهم
 

اعتمد السندي في إدارة النظام الخاص على فكرة أساسية وهي: "كلما قلت المعلومات التي يمتلكها العضو، زادت صعوبة إسقاط التنظيم"، لذلك جرى تقسيم العناصر إلى خلايا منفصلة، تتكون من مجموعات صغيرة، بحيث لا يعرف أفراد كل مجموعة تفاصيل الخلايا الأخرى أو أسماء قياداتها، وكان هذا البناء العنقودي يمنح القيادة قدرة على التحكم في العمليات، مع تقليل احتمالات انهيار الشبكة بالكامل في حال سقوط أحد عناصرها.

 

ولم تكن السرية مجرد إجراءات تنظيمية، لكنها أيضا ارتبطت بطقوس ولاء شديدة الصرامة، فبحسب ما ورد في شهادات عن طبيعة التنظيم، كان العضو الجديد يؤدي قسمًا على المصحف والسلاح، في أجواء تؤكد أن الانتماء للتنظيم يتطلب طاعة مطلقة، وأن الأوامر الصادرة من القيادة لا تخضع للمناقشة.

 

وبهذه الطريقة، لم يعد السندي يدير مجرد مجموعة من الأعضاء، ولكن شبكة مغلقة تمتلك السلاح والمتفجرات، وتتحرك وفق تعليمات مركزية لا يعرف معظم أفرادها مصدرها النهائي.

من الخازندار إلى النقراشي.. الاغتيال كأداة سياسية
 

كان اغتيال المستشار أحمد الخازندار في 22 فبراير 1948 أحد أبرز الأحداث التي ارتبطت بالنظام الخاص، فقد كان القاضي قد أصدر أحكامًا ضد أعضاء في الجماعة على خلفية قضايا تفجيرات، من بينها قضية تفجير سينما مترو.

 

وتشير روايات وشهادات من داخل النظام الخاص إلى أن السندي تلقى عبارة منسوبة إلى حسن البنا بشأن الخازندار، وفهمها باعتبارها ضوءًا أخضر للتخلص من القاضي، وبحسب هذه الروايات، تولى السندي اختيار المنفذين ووضع خطة مراقبة تحركات الخازندار، كما وفر السلاح المستخدم في العملية.

 

وفي صباح يوم الاغتيال، انتظر المنفذان القاضي أثناء توجهه إلى محطة القطار في حلوان، ثم أطلقا عليه النار، وحين حاول الأهالي مطاردتهما، ألقيا قنابل يدوية قبل أن يتم القبض عليهما.

 

وكشفت التحقيقات عن صلة السندي بالعملية، لكنه لم يبق في السجن طويلًا، ليظل اسمه حاضرًا في واحدة من أكثر القضايا التي كشفت طبيعة العلاقة بين العمل السري والقرار السياسي داخل التنظيم.

 

وبعد أقل من عام، انتقل النظام الخاص إلى عملية أكثر جرأة، استهدفت رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا.

 

في 8 ديسمبر 1948، صدر قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة ممتلكاتها، وبعد عشرين يومًا فقط، جرى اغتيال النقراشي داخل وزارة الداخلية.

 

اختار السندي للعملية أسلوبًا يعتمد على الخداع، حيث جرى إعداد زي ضابط شرطة للمنفذ عبد المجيد أحمد حسن، مع تزويده بالسلاح والشارات الرسمية اللازمة لدخول مبنى الوزارة، وعندما التقى النقراشي، أدى التحية العسكرية، ثم أطلق عليه النار.

 

كانت العملية بمثابة رسالة انتقامية من التنظيم بعد قرار حله، وأظهرت أن النظام الخاص أصبح قادرًا على الوصول إلى أحد أكثر المواقع الأمنية تحصينًا في الدولة.

الاقتصاد والأمن هدفًا واحدًا
 

لم تتوقف تحركات النظام الخاص عند الاغتيالات، إذ ارتبط اسم السندي كذلك بسلسلة من عمليات التفجير والتخريب التي استهدفت منشآت تجارية وأمنية في القاهرة.

 

في أجواء حرب فلسطين عام 1948، تعرضت منشآت ومحلات يملكها يهود لتفجيرات، من بينها أسماء تجارية معروفة مثل شيكوريل وأوركو وريكي، كما استهدفت التفجيرات محلات ومبان في منطقة حارة اليهود بهدف خلق حالة من الفوضى، وإظهار الدولة باعتبارها عاجزة عن حماية العاصمة ومؤسساتها.

 

وشملت العمليات تفجيرات أو محاولات تفجير استهدفت أقسام الموسكي والجمالية والأزبكية، إلى جانب منشآت تجارية، في وقت كانت فيه البلاد تعيش توترًا سياسيًا وأمنيًا بالغًا، وبحسب المعلومات الواردة عن هذه العمليات، تولى السندي الإشراف على توفير المتفجرات وتوزيع المهام، بينما تحركت الخلايا المنفذة في سرية تامة.

 

السيارة الجيب.. الصدفة التي كشفت التنظيم
 

كان النظام الخاص يعتمد على السرية، لكن التنظيم الذي يراهن على إخفاء كل شيء قد يسقط أحيانًا بسبب تفصيلة صغيرة.

 

في نوفمبر 1948، اشتبه أحد أفراد الشرطة في سيارة جيب لا تحمل لوحات معدنية كانت متوقفة في منطقة العباسية، وعند تفتيشها، عُثر على أسلحة ومتفجرات وخرائط ووثائق مرتبطة بالنظام السري.

 

كانت هذه اللحظة نقطة تحول، إذ لم تعد أجهزة الدولة أمام شائعات عن وجود تنظيم مسلح داخل الجماعة، بل أمام أدلة ووثائق تكشف هيكلًا كاملًا، وتربط أسماء قيادات بالعمل السري، ومن بين الأسماء التي ظهرت في القضية كان عبد الرحمن السندي.

 

عندما أصبح إنقاذ التنظيم أهم من أي شيء
 

بعد انكشاف قضية السيارة الجيب، ازدادت مخاوف قيادة النظام الخاص من الوثائق التي يمكن أن تقود إلى عناصر وقيادات أخرى، وفي يناير 1949 جرت محاولة لاستهداف محكمة الاستئناف بباب الخلق، حيث كانت تحفظ أوراق القضية.

 

وتضمنت الخطة إدخال حقيبة تحتوي على متفجرات شديدة الانفجار إلى مبنى المحكمة، بهدف تدمير المكان وإحراق المستندات، لكن يقظة حارس المحكمة والعاملين حالت دون تنفيذ العملية، وتمت السيطرة على المتفجرات قبل انفجارها.

 

كان الهدف هذه المرة مختلفًا؛ فالسلاح لم يُستخدم ضد خصم سياسي أو مؤسسة أمنية، وإنما ضد أوراق القضية نفسها، وهنا ظهر بوضوح أن التنظيم لم يعد يتحرك فقط في إطار صراع سياسي، بل أصبح مستعدًا لاستهداف كل ما يمكن أن يكشف بنيته الداخلية.

السندي ضد الجماعة.. خروج القوة عن السيطرة
 

بعد مقتل حسن البنا وتولي حسن الهضيبي قيادة الجماعة، بدأت العلاقة بين المرشد الجديد وقائد النظام الخاص تتجه إلى الصدام، فالسندي لم يكن مجرد عضو عادي يمكن تغيير موقعه بقرار إداري، فقد بنى حول النظام الخاص شبكة من الولاء والسرية والقوة، واعتبر نفسه صاحب نفوذ مستقل داخل التنظيم.

 

ومع تصاعد الخلافات، ظهرت بوادر تمرد وصلت إلى احتلال مكتب الإرشاد والاعتداء على الهضيبي، وفق الروايات المتداولة عن تلك المرحلة، كان الحل الذي اتخذه الهضيبي هو إبعاد السندي عن قيادة النظام الخاص وتعيين سيد فايز مكانه، لكن القرار لم ينهِ الأزمة، بل نقلها إلى مرحلة أكثر خطورة، فبالنسبة إلى السندي كان القرار تهديدًا مباشرًا لنفوذه وللشبكة التي بناها داخل التنظيم.

علبة حلوى أنهت الصراع
 

كان سيد فايز يعرف أساليب النظام الخاص، وهو ما جعل استهدافه بالطرق التقليدية أكثر صعوبة، لذلك لجأ السندي إلى وسيلة تعتمد على المفاجأة.

 

في فبراير 1953، وبمناسبة المولد النبوي، أُرسلت إلى منزل سيد فايز علبة حلوى،  لكن العلبة لم تكن هدية عادية؛ فقد جرى تجهيزها بعبوة متفجرة تنفجر بمجرد رفع الغطاء، وبالفعل عندما فتح فايز العلبة، انفجرت العبوة ما أدى إلى مقتله ومقتل شقيقه الأصغر، وتدمير أجزاء من المنزل.

 

وقد حملت هذه الواقعة دلالة شديدة القسوة على طبيعة الصراع الذي وصل إليه النظام الخاص. فالسلاح الذي أنشئ لمواجهة خصوم الجماعة أصبح يُستخدم في تصفية الحسابات داخلها.

 

وهنا اكتملت المفارقة، الرجل الذي قاد جهازًا سريًا استهدف قضاة ورؤساء حكومات ومنشآت ومؤسسات أمنية، انتهى به الأمر إلى الصدام مع القيادة التي كان يفترض أن يعمل تحت سلطتها.

 

فقد أثبتت تجربة السندي أن التنظيم السري، حين يمتلك أدوات القوة والولاء المنفصل والقدرة على العمل خارج الرقابة، قد يتحول من ذراع في يد القيادة إلى مركز نفوذ مستقل.

 

ولهذا كانت قصة جهاز خرج من الظل، وامتلك السلاح، ثم بدأ في النهاية يهدد الجميع، الدولة، وخصوم الجماعة، وحتى الجماعة نفسها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة