عندما يخلو مقعد وزير الثقافة، تتجه الأبصار إلى الأسماء، بينما ينبغي أن تتجه العقول إلى الأفكار، فقد انشغل الجميع على السوشيال ميديا بالسؤال: من سيكون الوزير القادم؟ ورشح البعض أسماء كثيرة، منها أسماء لا تصلح لإدارة مراجيح مولد النبي، وكأن تغيير الاسم هو غاية المشهد، بينما الحقيقة أن السؤال الأكثر عمقًا هو: أي وزير ثقافة تستحقه مصر الآن؟ فالمناصب عابرة، والأشخاص يمرون، لكن المشروعات وحدها هي التي تبقى.
التاريخ لا يتذكر من جلس على المقعد، بقدر ما يتذكر ما أضافه إليه، ومن هنا، فإن وزارة الثقافة ليست وزارة خدمات، ولا مكتبًا للمراسم، ولا محطة لقص الشريط الأحمر في افتتاح مهرجان أو معرض، وإنما هي عقل الدولة، وضميرها، وذاكرتها الحية، إنها الوزارة التي تصنع الإنسان قبل أن تشيد المباني، وتبني الوعي قبل أن تملأ القاعات، وتفكر في الغد قبل أن تنشغل بضجيج اليوم، ولذلك، فإن الحديث عن وزير الثقافة القادم لا ينبغي أن يبدأ من اسمه، بل من المشروع الذي يحمله، والرؤية التي يؤمن بها، والحلم الذي يستطيع أن يحوله إلى واقع.
أكرر مرارا وتكرارا .. وزير الثقافة ليس مديرًا للمناسبات، بل قائد لمشروع حضاري، وإذا غاب المشروع، تحولت الوزارة إلى مؤسسة تدير الأنشطة، بينما تظل الثقافة الحقيقية غائبة عن المجتمع، وثمة فارق جوهري بين أن تمتلك وزارة الثقافة برنامجًا من الفعاليات، وبين أن تمتلك سياسة ثقافية، فالفعاليات تنتهي بانتهاء يومها، أما السياسات فتصنع أجيالًا كاملة، وقد أكدت منظمة اليونسكو في وثائقها المتعلقة بالسياسات الثقافية أن الثقافة ليست قطاعًا مستقلًا عن المجتمع، بل هي أحد أهم محركات التنمية المستدامة، وبناء الهوية، وتعزيز التماسك المجتمعي، ودعم الاقتصاد الإبداعي، ولهذا فإن الوزير الناجح لا ينشغل بعدد الندوات التي أُقيمت، ولا بعدد المهرجانات التي افتُتحت، وإنما يسأل نفسه: ماذا تغير في وعي الناس؟ وهل أصبحت الثقافة أكثر حضورًا في حياة المواطن؟ وهل استطاعت الدولة أن تجعل من الإبداع قوة مؤثرة في المجتمع؟
الوزير الذي يترك فكرة... لا صورة تذكارية
كلما ذُكر الحديث عن وزارة الثقافة في مصر، ظل اسم الدكتور ثروت عكاشة حاضرًا باعتباره النموذج الأوضح للوزير صاحب المشروع، فلم يكن الرجل يدير الوزارة بمنطق الموظف، وإنما بعقل المفكر ورؤية رجل الدولة، وفي سنوات قليلة، وضع الأسس التي قامت عليها البنية الثقافية الحديثة في مصر؛ فأنشأ أكاديمية الفنون، ودعم المعاهد الفنية، وأطلق مشروع الألف كتاب، ووسع حركة الترجمة، وأسهم في إنشاء مؤسسات لا تزال تمثل العمود الفقري للثقافة المصرية حتى اليوم، ولعل أعظم إنجازاته كانت قيادته للمشروع العالمي لإنقاذ آثار النوبة بالتعاون مع اليونسكو، في واحدة من أهم العمليات الثقافية والحضارية في القرن العشرين، لم يكن يفكر في دورة حكومية، وإنما كان يفكر في مصر بعد خمسين عامًا، ولهذا بقي اسمه، بينما غابت أسماء كثيرة تعاقبت على المنصب، ورغم اختلاف الآراء حول بعض سياساته، فلا أحد يستطيع إنكار أن الوزير فاروق حسني امتلك مشروعًا واضحًا لتحديث البنية الثقافية، وشهدت سنواته تطويرًا واسعًا للمسارح، وإنشاء المتاحف، وتحديث قصور الثقافة، ودعم الحركة التشكيلية، وإطلاق مشروع مكتبة الأسرة، فضلًا عن توسيع حضور الثقافة خارج العاصمة، لقد تعامل مع المؤسسة الثقافية باعتبارها بنية يجب أن تُبنى أولًا حتى تستطيع أن تنتج المعرفة، وقد يختلف الناس حول التفاصيل، لكنهم لا يختلفون على وجود رؤية متكاملة.
ولو تركنا مجتمعنا المصري وذهبنا للغرب، في فرنسا مثلا، قدم وزير الثقافة الأشهر جاك لانج نموذجًا مختلفًا لمعنى المشروع الثقافي، فقد آمن بأن الثقافة لا ينبغي أن تبقى حبيسة القاعات المغلقة، بل يجب أن تصبح جزءًا من الحياة اليومية، وأطلق "عيد الموسيقى" الذي تحول إلى مناسبة عالمية، ورفع ميزانية الثقافة بصورة غير مسبوقة، ودعم الفنون المعاصرة، وربط الثقافة بالشباب والتعليم والمجتمع، وكان يرى أن الثقافة حق لكل مواطن، وليست امتيازًا للنخبة، وهكذا تحولت الوزارة إلى قوة اجتماعية مؤثرة، لا مجرد مؤسسة حكومية.
لا يبدأ المشروع الثقافي من مبنى جديد، ولا من مهرجان إضافي، وإنما يبدأ من سؤال كبير: كيف نريد أن يبدو الإنسان المصري بعد عشر سنوات؟، فإذا عرف الوزير إجابة هذا السؤال، بدأ المشروع، وعليه أن يضع استراتيجية متكاملة تعيد القراءة إلى المجتمع، وتربط المسرح بالمدرسة، وتعيد الاعتبار للمكتبات العامة، وتدعم الصناعات الثقافية، وتستثمر في التراث، وتواكب التحولات الرقمية، وتمنح الشباب فرصًا حقيقية للإبداع، دون أن تهمل خبرات الأجيال السابقة، كما ينبغي أن ينظر إلى الثقافة باعتبارها استثمارًا اقتصاديًا أيضًا، فالصناعات الإبداعية أصبحت اليوم من أسرع القطاعات نموًا في العالم، وتسهم بمليارات الدولارات في اقتصادات الدول المتقدمة.
كل الوزراء يرحلون، لكن قلة منهم فقط يبقون، يبقى من أسس مؤسسة، أو أطلق مشروعًا، أو غيّر مسارًا، أو ترك أثرًا في وعي الناس، أما من اكتفى بافتتاح المهرجانات، وحضور حفلات التكريم، وإلقاء الكلمات الرسمية، فإن رحيله يكون سريعًا من الذاكرة، لأن التاريخ لا يكتب أسماء المسؤولين، بل يكتب أسماء صناع النهضة، ومصر حاليا، وهي تستعيد مكانتها الإقليمية والدولية، تحتاج إلى وزير ثقافة يؤمن بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء المدن، وأن حماية الهوية الوطنية لا تقل ضرورة عن حماية الحدود، وأن المسرح والسينما والكتاب والفنون ليست كماليات، وإنما أدوات لصناعة الوعي ومواجهة التطرف وترسيخ الانتماء، ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق إعلان اسم وزير الثقافة القادم ليس من هو؟ بل ما المشروع الذي يحمله؟، فإذا جاء الوزير حاملًا مشروعًا، أصبح المنصب وسيلة لصناعة المستقبل، أما إذا جاء حاملًا جدولًا مزدحمًا بالمراسم والافتتاحات، فستظل الثقافة تدور في الحلقة نفسها، بينما ينتظر الوطن نهضته الثقافية المؤجلة.