«بيزنس الكوارث».. أين تذهب مليارات إعادة الإعمار؟ (3).. وثائق البنك الدولي تكشف كيف تتحول المليارات إلى مشروعات وعقود تنفيذ.. 3 أطراف رئيسية تحدد أولويات الإنفاق.. والسرعة تفرض رقابة مضاعفة لحماية المال العام

السبت، 18 يوليو 2026 08:00 م
«بيزنس الكوارث».. أين تذهب مليارات إعادة الإعمار؟ (3).. وثائق البنك الدولي تكشف كيف تتحول المليارات إلى مشروعات وعقود تنفيذ.. 3 أطراف رئيسية تحدد أولويات الإنفاق.. والسرعة تفرض رقابة مضاعفة لحماية المال العام صورة مولدة بالذكاء الاصطناعى

رامى محيى الدين

رحلة تبدأ بتقييم الخسائر ولا تنتهي إلا بعد إغلاق المشروع ومراجعته ماليًا وفنيًا
 

على مدار الحلقتين السابقتين، تتبع هذا التحقيق حركة الأموال منذ اللحظة الأولى لوقوع الكارثة. ففي زلزال تركيا، وجائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، كشفت البيانات الصادرة عن البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والأمم المتحدة، عن نمط يكاد يتكرر في كل أزمة؛ مليارات الدولارات تُرصد خلال أيام أو أسابيع، والموازنات العامة يُعاد ترتيبها، وتُنشأ برامج تمويل عاجلة، وتبدأ مرحلة الاستجابة ثم التعافي، لكن حتى هذه اللحظة، ما زال سؤال جوهري بلا إجابة.

فالأموال التي تُرصد لمواجهة الكوارث لا تبقى في حسابات الحكومات أو المؤسسات الدولية، وإنما تبدأ في الانتقال إلى جهات تتولى تنفيذ ما خُصصت له هذه الأموال، من هنا تبدأ المرحلة الأكثر أهمية في هذا التحقيق، لم يعد السؤال: كم أنفقت الحكومات؟، بل أصبح: من حصل على هذه الأموال؟، وهل تتجه إلى شركات إعادة الإعمار؟ أم إلى شركات الأدوية؟ أم إلى موردي الطاقة والغذاء؟ أم إلى شركات الصناعات العسكرية في أوقات الحروب؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، لا يعتمد التحقيق على الانطباعات أو الاتهامات، وإنما يتتبع وثائق المشتريات الحكومية، وتقارير المؤسسات الدولية، والقوائم المالية للشركات، والعقود المعلنة، لرسم خريطة انتقال الأموال من الخزانة العامة إلى الجهات المنفذة، ولأن لكل نوع من الكوارث أولويات مختلفة، فإن رحلة الأموال لا تسلك مسارًا واحدًا، لكنها تنتهي دائمًا عند قطاعات اقتصادية بعينها، تختلف في ترتيبها، وتتفق في أنها تصبح الوجهة النهائية للإنفاق.

في هذا الفصل، يبدأ التحقيق بتتبع هذه القطاعات واحدة تلو الأخرى، بحثًا عن إجابة للسؤال الذي انطلق منه منذ البداية: من يربح حين يموت الناس؟
لا تُوزع أموال إعادة الإعمار بصورة عشوائية، ولا تُترك لقرارات لحظية تفرضها ضغوط الكارثة، بل تخضع، في أغلب الحالات، لتقييمات فنية واقتصادية تحدد حجم الأضرار واحتياجات كل قطاع قبل تخصيص التمويل.

انفوجراف الحلقة الثالثة
انفوجراف الحلقة الثالثة مولدة بالذكاء الاصطناعى

 

وفقًا للبنك الدولي والأمم المتحدة والمفوضية الأوروبية، تُعد تقييمات الأضرار واحتياجات التعافي وإعادة الإعمار (Post-Disaster Needs Assessment - PDNA) في الكوارث الطبيعية، و(Recovery and Reconstruction Needs Assessment - RDNA) في حالات النزاعات، المرجع الأساسي الذي تعتمد عليه الحكومات والجهات المانحة لتقدير حجم التمويل المطلوب وتحديد أولويات الإنفاق.

وتبدأ هذه التقييمات بحصر حجم الأضرار التي لحقت بالمساكن، والمستشفيات، والمدارس، وشبكات الطرق والكهرباء والمياه، ثم تقدير تكلفة إعادة الخدمات إلى الحد الأدنى، قبل الانتقال إلى حساب تكلفة إعادة الإعمار والتعافي على المدى المتوسط والطويل، ولا تقتصر أهمية هذه التقييمات على تقدير قيمة الخسائر، بل تمتد إلى رسم خريطة أولية لتوزيع الأموال، من خلال تحديد القطاعات الأكثر تضررًا، وحجم التمويل الذي يحتاجه كل قطاع، والجدول الزمني المقترح لتنفيذ المشروعات.

وتُظهر هذه المنهجية أن رحلة الأموال لا تبدأ باختيار الشركات أو توقيع العقود، وإنما تبدأ قبل ذلك بمرحلة أكثر أهمية، هي تحديد أولويات الإنفاق استنادًا إلى حجم الضرر واحتياجات السكان، لكن إذا كانت هذه التقييمات تحدد أين يجب أن تذهب الأموال، فمن الذي يتخذ القرار النهائي باعتمادها؟ وهل تلتزم الحكومات والجهات المانحة بهذه الأولويات عند بدء التمويل؟
الإجابة ليست واحدة، لأن آلية اتخاذ القرار تختلف من دولة إلى أخرى، لكنها فى معظم الكوارث الكبرى تقوم على شراكة بين الحكومة الوطنية والجهات الدولية الممولة، بحيث تتولى كل جهة دورًا محددًا فى تحديد الأولويات واعتماد برامج التمويل.

وفقًا للبنك الدولي، تُعد الحكومات صاحبة المسؤولية الأساسية عن إعداد خطط التعافي وإعادة الإعمار، بالتعاون مع الوزارات والهيئات المحلية، بينما تقدم المؤسسات الدولية الدعم الفني والمالي لإعداد تقييمات الأضرار واحتياجات التعافي، قبل أن تبدأ مرحلة حشد التمويل من المانحين والمؤسسات المالية الدولية.

وتُستخدم نتائج تقييمات الأضرار والاحتياجات بوصفها الوثيقة المرجعية التي تستند إليها الحكومات والجهات المانحة عند تحديد القطاعات التي ستحصل على الأولوية في التمويل، بما يضمن توجيه الموارد إلى المناطق والخدمات الأكثر تضررًا.

ووفقًا لمنهجية تقييم احتياجات التعافي وإعادة الإعمار (PDNA)، لا يقتصر الأمر على تقدير قيمة الخسائر، بل يشمل وضع إطار متكامل لأولويات التعافي، يحدد ما يجب تمويله أولًا، وما يمكن تأجيله إلى مراحل لاحقة، مع مراعاة الاحتياجات الإنسانية العاجلة ومتطلبات التنمية طويلة الأجل، لكن اعتماد هذه الأولويات لا يعني بالضرورة أن جميع الأموال ستُنفق بالطريقة نفسها.

فالجهات المانحة، سواء كانت دولًا أو مؤسسات مالية دولية أو صناديق تنموية، قد تربط تمويلها بقطاعات أو مشروعات محددة تتوافق مع سياساتها وأهدافها التنموية، كما قد تخصص بعض الحكومات مواردها لبرامج تراها أكثر إلحاحًا وفقًا لظروفها الداخلية، وبذلك، تصبح خريطة الإنفاق النهائية نتيجة لتداخل ثلاثة عناصر رئيسية: حجم الأضرار التي كشفتها التقييمات الفنية، وأولويات الحكومة الوطنية، وشروط أو توجهات الجهات الممولة، ورغم هذا الإطار المنظم، يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: كيف تتحول هذه الأولويات إلى عقود ومشروعات على أرض الواقع؟ ومن هي الجهات التي تتولى تنفيذها؟

وهنا تبدأ المرحلة التالية من رحلة الأموال، عندما تنتقل من مرحلة التخطيط واعتماد التمويل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

من الخطة إلى العقد... كيف تبدأ مرحلة التنفيذ؟
 

بمجرد اعتماد خطط التعافي وتوفير التمويل، تنتقل رحلة الأموال إلى مرحلة جديدة، تختلف عن مرحلة التقييم والتخطيط. فالأموال التي كانت مجرد مخصصات في الموازنات أو تعهدات من الجهات المانحة، تصبح مشروعات يجب تنفيذها على أرض الواقع.

وتبدأ الحكومات في ترجمة أولويات التعافي إلى برامج تنفيذية، تشمل إعادة بناء المساكن، وإصلاح الطرق والجسور، وإعادة تشغيل شبكات الكهرباء والمياه، وترميم المستشفيات والمدارس، إلى جانب إزالة الأنقاض واستعادة الخدمات الأساسية.

وفقًا للبنك الدولي، تعتمد مشروعات إعادة الإعمار التي يمولها البنك على منظومة واضحة للمشتريات (Procurement Framework)، تهدف إلى ضمان المنافسة والشفافية وتحقيق أفضل قيمة مقابل المال، مع إلزام الجهات المنفذة بإجراءات معلنة لاختيار الشركات والموردين، خاصة في المشروعات التي تمولها المؤسسات الدولية، لكن هذه القواعد قد تختلف في حالات الطوارئ.

وفقًا لإطار المشتريات الخاص بالبنك الدولي (World Bank Procurement Framework)، تسمح بعض حالات الطوارئ والكوارث باستخدام إجراءات استثنائية لتسريع تنفيذ المشروعات، مثل تقليص مدد الطرح أو اللجوء إلى أساليب تعاقد أكثر مرونة، إذا كان التأخير يهدد حياة السكان أو يعطل استعادة الخدمات الأساسية.

ولا يعني ذلك إلغاء قواعد الرقابة، بل محاولة تحقيق توازن بين السرعة المطلوبة لإنقاذ الأرواح وإعادة تشغيل المرافق الحيوية، وبين الحفاظ على مبادئ الشفافية والمساءلة في إدارة الأموال العامة.

وفي هذه المرحلة تبدأ الأموال في مغادرة الحسابات الحكومية وصناديق التمويل، لتتحول إلى عقود ومشتريات ومشروعات تنفذها جهات متخصصة، كلٌ في مجاله، وفقًا لطبيعة الكارثة واحتياجاتها، لكن كلما زادت سرعة الإنفاق، زادت معه أهمية الرقابة.

فالمليارات التي تتحرك خلال أشهر قليلة، تخلق بيئة قد تكون أكثر عرضة للأخطاء الإدارية أو ضعف الرقابة أو حتى شبهات الفساد، وهو ما دفع المؤسسات الدولية إلى تطوير آليات خاصة لمتابعة أموال التعافي وإعادة الإعمار، وهنا يبرز سؤال جديد:

هل تكفي آليات الرقابة لضمان وصول الأموال إلى مستحقيها، أم أن سرعة الاستجابة قد تفتح الباب أمام تجاوزات يصعب اكتشافها إلا بعد سنوات؟

الرقابة على أموال الكوارث... بين سرعة الاستجابة وحماية المال العام
 

كلما كانت الكارثة أكبر، كانت الحاجة إلى الإنفاق أسرع، لكن هذه السرعة تطرح سؤالًا لا يقل أهمية عن توفير التمويل نفسه: كيف يمكن إنفاق مليارات الدولارات خلال فترة قصيرة، مع ضمان عدم إهدارها أو إساءة استخدامها؟

وفقًا للبنك الدولي، تمثل مشروعات التعافي وإعادة الإعمار بيئة ذات مخاطر مرتفعة، بسبب ضخامة التمويل، وضيق الوقت، والضغوط الإنسانية التي تفرض سرعة تنفيذ المشروعات. ولهذا تعتمد المؤسسات الدولية على أنظمة رقابية ومراجعات دورية لمتابعة تنفيذ المشروعات والتأكد من التزامها بقواعد الشفافية والمساءلة.

ولا تقتصر الرقابة على الجهات الممولة وحدها، إذ تتحمل الحكومات مسؤولية متابعة تنفيذ المشروعات من خلال أجهزة الرقابة المالية، وهيئات المراجعة، والجهات المختصة بالمشتريات العامة، مع تقديم تقارير دورية عن نسب التنفيذ وأوجه الإنفاق، كما تتيح العديد من المؤسسات الدولية بيانات المشروعات الممولة وقيمتها والجهات المنفذة لها، في إطار سياسات تهدف إلى تعزيز الشفافية وتمكين الرأي العام والباحثين من متابعة حركة الأموال.

ورغم ذلك، تؤكد تقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن مشروعات الطوارئ تظل أكثر عرضة للمخاطر مقارنة بالمشروعات التقليدية، ليس لأن الفساد أمر حتمي، وإنما لأن ضيق الوقت والإجراءات الاستثنائية قد يقللان من مستويات المنافسة والرقابة المعتادة إذا لم تُطبق الضوابط بصورة فعالة.

ومن هنا، لم تعد الشفافية مجرد مطلب إداري، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من نجاح جهود التعافي نفسها، لأن فقدان الثقة في إدارة الأموال قد ينعكس على قدرة الحكومات في الحصول على تمويلات جديدة، أو جذب استثمارات للمشاركة في إعادة الإعمار، لكن حتى مع وجود هذه الأنظمة الرقابية، يبقى السؤال الأهم بالنسبة لهذا التحقيق:

إذا كانت الأموال تمر عبر هذه المراحل المنظمة، فمن هي القطاعات التي تستقبل النصيب الأكبر منها؟ وهل يتكرر هذا النمط في كل كارثة، أم يختلف باختلاف طبيعة الأزمة؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة