محمود عبد الراضى

حكايات المصطبة الصعيدية.. برلمان الأرواح وفلسفة الشاى الدافئ

الأربعاء، 15 يوليو 2026 12:23 م


ما إن تلملم الشمس ذيول كبريائها اللاهب خلف تلال الصعيد، وتعلن المغيب، حتى تبدأ الأرض في تنفس الصعداء.

هنا، على حافة القرى وفي أحضان الدروب الضيقة، يكمن سر أثري لا تشرحه كتب الهندسة، بل تفك طلاسمه أرواح تآلفت تحت ظلال الليل؛ إنها "المصطبة"، ذلك العرش الطيني البسيط الذي يتحول مع أول رشة ماء إلى واحة السحر والسمر.

الطقس يبدأ بوضوء الأرض؛ فبعد صلاة العصر، يرش الصعايدة مصاطبهم بالماء الإبريق تلو الإبريق، لتبدأ عملية سحرية يمتزج فيها عطر التراب المبلول ببرودة تهزم قيظ الصيف الصعيدي العتيد، هذا البلل ليس لتبريد الحجارة فحسب، بل لتبريد القلوب وتهيئتها لاستقبال السمر.

وما ان يحل الليل، حتى تتدفق الأرواح لتأخذ مقاعدها على ذلك "البلاط الطيني"، وتبدأ جلسات لا يقطع سكونها إلا حشرجة الشاي المغلي على الفحم، يدور بين الأيادي طوال الليل كأنه كأساً من الدفء والترابط، يرافقه أحياناً عشاء خفيف يحمل طعم "اللقمة الهنية" التي تجمع القلوب قبل الأجساد.

على هذه المصاطب، تولد الحكايات وتموت الخصومات، المصطبة ليست مجرد مقعد، بل هي برلمان شعبي ومحكمة فض منازعات عادلة، عليها تُحل عقد الدم والخصومات الثأرية بكلمة شرف، وعليها تُعقد صفقات التجارة وتُنسج خيوط الزيجات والمصاهرات، الكل هنا شريك في الضحكة، وقاسم مشترك في الحكاية.

وفي هذا الفضاء المفتوح، تنشط "أكاديمية الحياة"؛ فعلى أطراف المصاطب، يجلس الأطفال متسمرين بجوار الكبار، هناك، يتعلم الصغار أعظم دروس الأصول في مدرسة الصمت والإنصات؛ فلا صوت يعلو فوق صوت الكبير، ولا حديث يبدأ قبل أن يكتمل قول الكهول.

هي مدرسة يتعلمون فيها "فنون الكلام ومخارج الأصول" دون مناهج دراسية، بل بالقدوة والملاحظة.

رغم أن المصطبة في جوهرها مبنى بسيط من طين وتبن، إلا أنها تظل تجسيداً لإرث إنساني ضخم، تلتئم عليه الأرواح وتذوب فيه هموم النهار.

ويبقى سر المصطبة مستمراً، شاهداً على أن الطين في الصعيد لا يبني جدراناً للبيوت فقط، بل يبني جسوراً متينة بين القلوب.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة