وسط صهيل الخيول المتردد بين الجبال وضفاف النيل، وفى قلب قرية بنبان بمحافظة أسوان، يعيش العمدة مكرم هاشم محمد على، صاحب الـ60 عامًا، قصة عشق استثنائية مع الخيل، عشق لم يبدأ معه شخصيًا، لكن ورثه عن أجداده أبًا عن جد، ليصبح واحدًا من أشهر المهتمين بعالم سباقات الخيول أو "المرماح" فى جنوب الصعيد.
بالنسبة للعمدة مكرم، الخيل ليست مجرد حيوان أو وسيلة للترفيه، لكن جزء أصيل من الهوية والتراث، وتاريخ ممتد عبر قرون، يقول: "كلنا بنحب الخيول.. وتوارثنا تربيتها منذ نشأة القرية مع وجود القبائل العربية هنا عام 635 هجرية، وأجدادنا وصلوا إلى المكان على ظهور الخيل".
الخيل.. رفيق الإنسان عبر التاريخ
ويروى العمدة مكرم لـ"اليوم السابع"، أن الخيول كانت قديمًا عنصرًا أساسيًا فى حياة القبائل العربية، حيث استخدمت فى الزراعة والتنقل والحروب، قبل أن يتحول دورها مع الزمن إلى الرياضة والسباقات. ويؤكد، أن سباقات الخيول فى جنوب الصعيد ليست ظاهرة حديثة، لكن عادة متوارثة منذ نحو 200 عام، مضيفًا: "حتى اللى ما عندوش حصان، بيروح يشوف السباق حبًا فى الخيل.. المرماح بالنسبة لنا مناسبة لها هيبة وفرحة خاصة".
ولا تتوقف السباقات عند حدود قرية بنبان فقط، لكن تمتد على طول شريط جغرافى واسع يبدأ من أسوان جنوبًا وصولًا إلى قرية الدير التابعة لمركز إسنا بمحافظة الأقصر، بمشاركة فرسان ومربين من مختلف القبائل العربية.
عشق بدأ فى سن 18 عامًا
ويتحدث العمدة مكرم عن بدايته الشخصية مع امتلاك الخيول، مستعيدًا ذكريات شبابه بابتسامة لا تخلو من الحنين. قال: "أول حصان اشتريته كان عندى 18 سنة، كنت فرحان به بشكل لا يوصف، وكنت أقف أتأمله وسط المزارع والمواشى وكأنه كنز كبير".
ومنذ ذلك الوقت، لم يعد شغفه بالخيل مجرد هواية، لكن أصبح أسلوب حياة كاملًا، حتى صار يمتلك اليوم عددًا من الخيول المخصصة للسباقات، أبرزها حصان شهير يُعرف باسم "المتعدد".
أنواع الخيول وأسعارها بالملايين
ويكشف العمدة مكرم أن عالم الخيول فى جنوب الصعيد شهد تغيرات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع انتشار السلالات الأوروبية والإنجليزية، موضحاً أن هناك عدة أنواع رئيسية من الخيول المستخدمة فى السباقات، تشمل: الخيول الإنجليزية المستوردة من أوروبا، والخيول الإنجليزية محلية الإنتاج، والخيول البحراوية القادمة من الوجه البحرى، والخيول المحلية التقليدية.
ويشير إلى أن الخيول المحلية بدأت فى الاندثار تدريجيًا، بعدما أصبحت الخيول الأوروبية الأسرع والأكثر تفوقًا فى سباقات المرماح.
أما عن الأسعار، فتبدو الأرقام صادمة للبعض، إذ يقول: "أقل سعر للحصان الإنجليزى المستورد يبدأ من 300 ألف جنيه، وقد يصل إلى مليون ونصف جنيه، بخلاف تكلفة الشحن".
كما يوضح، أن استيراد الخيول الأجنبية يتطلب امتلاك ما يعرف باسم "البدلة"، وهى رخصة دولية تمنح حق شراء وتملك الخيول المستوردة، مشيرًا إلى أن بعض الأشخاص يلجأون لطرق غير شرعية عبر ليبيا للحصول على الخيول.
أسماء صنعت شهرة فى المرماح
مثلما يرتبط الجمهور بأسماء نجوم الكرة، يرتبط عشاق المرماح بأسماء الخيول الشهيرة، ففى بنبان، يبرز اسما "العاصى" و"المتعدد"، بينما توجد أسماء أخرى ذاع صيتها خارج القرية مثل "الشراميكى" و"المسير". ويقول العمدة مكرم بابتسامة: "مفيش ليلة سباق بفوتها.. أنا حريص على حضور كل المرماح والتقاط صور تذكارية للخيول".
لغة خاصة بين الفارس وحصانه
وما يلفت الانتباه فى حديث العمدة مكرم هو قدرته اللافتة على قراءة الخيل من النظرة الأولى، ويؤكد بثقة: "من نظرة واحدة أقدر أعرف نوع الحصان إذا كان بلدى أو إنجليزى، وأحدد احتياجاته، لكن وأفهم إذا كان شبعان أو جوعان".
ويشرح أن سر هذه المعرفة يكمن فى مراقبة تفاصيل دقيقة مثل شكل الرقبة، امتداد الظهر، قوة العضلات الخلفية، وحتى حركة العينين والتنفس، وبالنسبة له، الخيل يتحدث لكن بلغة مختلفة، لغة تحتاج إلى خبرة وصبر وملاحظة.
الرعاية الطبية.. سر البطل
ولا يعتمد نجاح الحصان فى السباق على السرعة فقط، لكن على الرعاية الصحية الدقيقة. ويكشف العمدة مكرم أن المغص يعد من أخطر المشكلات التى قد تصيب الحصان، خاصة فى ظل ارتفاع درجات الحرارة الشديدة بمحافظة أسوان. وقال: "معدة الحصان حساسة جدًا، وبعض الوجبات قد تتعبه، لذلك نقلل الشعير ونكثر من الخضرة خصوصًا فى الصيف". ولا يقتصر الأمر على الطعام فقط، لكن تمتد المتابعة إلى أدق التفاصيل، حتى فضلات الحصان، التى تعتبر مؤشرًا مهمًا على حالته الصحية. كما يشير إلى مرض خطير آخر يُعرف باسم الحمرة، والذى قد يؤدى إلى تقلع أظافر الحصان، لذلك حرص على تجهيز الإسطبل بمراوح تهوية لتخفيف الحرارة.
تجهيز الحصان للسباق
والسباق لا يبدأ يوم المرماح، لكن قبل ذلك بأسابيع طويلة، موضحاً أن برنامج إعداد الحصان للمنافسة قائلاً: "قبل السباق بشهرين تقريبًا نبدأ تغيير البرنامج الغذائى تدريجيًا حتى يكون الحصان فى الفورمة"، مضيفاً أن الوجبات تُخفف تدريجيًا مع زيادة التدريب البدنى، إلى جانب الاعتماد على الفيتامينات والمكملات الغذائية والحقن العضلية المصرح بها طبيًا، مؤكداً أن التعجل فى إعداد الحصان قد يرهقه بدلًا من تقويته، لذلك تحتاج عملية التجهيز إلى خبرة كبيرة.
وفى نهاية الحديث، يختصر العمدة مكرم فلسفته مع الخيل فى كلمات بسيطة لكنها عميقة: "الحصان لا يتكلم ولا يشتكى.. صاحب الحصان لازم يشعر به قبل ما يتعب".
ويُشار إلى أن سباقات الخيول أو "المرماح" ما زالت تمثل واحدة من أبرز الموروثات الشعبية والتراثية فى جنوب الصعيد، خاصة بمحافظتى أسوان والأقصر، حيث تحافظ القبائل العربية على هذه العادة باعتبارها رمزًا للفروسية والشهامة والأصالة.

إسطبل-الخيول

الخيول

العمدة-مكرم

المتعدد

المرماح_1

تربية-الأحصنة-للسباق

تربية-الخيول_1

خيول-السباق-فى-أسوان

خيول-فى-أسوان

سباقات-الخيول

صحفى-اليوم-السابع-مع-العمدة-مكرم

صور-قديمة

فرحة-الفائزين-بالسباق

معدات-وأدوات_2