داليا مجدى عبد الغنى

لم تعد صالحة للشرب

السبت، 11 يوليو 2026 11:23 ص


"صحيح أن المياه تعود لمجاريها في معظم الأحيان، لكنها لا تعود دائمًا صالحة للشرب". هذه العبارة صحيحة جدًا في الكثير من معاملات الحياة، فكثيرًا ما نقول بعد الخلافات الكبيرة: "ستعود المياه لمجاريها"، فهذا يمكن أن يحدث، ولكن السؤال هل هذه المياه تعود صالحة للشرب أم لا؟! فنجد أن العلاقات قد تعود ولكنها مُتعكرة، بمعنى أن الثقة قد اهتزت، والإحساس بالأمان قد تلاشى، والرغبة في العطاء قد اندثرت، واللهفة في اللقاء قد انتهت، وأحاسيس كثيرة قد تعكرت ولم تعد صافية، فالمياه أصبحت غير نقية، فكيف يمكن أن يُقبل أحد على شرابها وهي مُعكرة، وقد لوثتها الأزمات والخلافات وسوء التفاهم.

وهذا ليس معناه أن نرفض حل الخلافات، أو تصحيح سوء التفاهم، أو منح فرصة أخرى للتسامح، ولكن المفترض أننا قبل أن نُقدم على هذه الخطوات أن نُحلل الموقف من جميع جوانبه، ونقف على أسباب حدوث الخلاف، ونضع الحلول المنطقية له لعدم تكراره مرة أخرى، وأن نُقرر فتح صفحة جديدة خالية تمامًا من رواسب الماضي، ونجتهد في إيجاد مُبررات لأخطاء الطرف الآخر مثلما نضع حفنة من المُبررات لأنفسنا، وأن نتناسى ما حدث لو كان يستحيل علينا النسيان التام والكامل. وهذا في حالة واحدة فقط، وهي أن يكون لدينا الرغبة الحقيقية والمُلحة في الاستمرارية، أما أن يُقرر الإنسان أن يُعيد المياه لمجاريها، في حين أنه يضع الشوائب والرواسب فيها، فهو في هذه الحالة يُعكر صفو المياه ونقائها ويجعلها سامة ومُلوثة، فلن يستطيع أن يشربها، وهنا سيعيش بقية حياته في عطش دائم لا نهاية له، والأحرى به في هذه الحالة ألا يُعيدها لمجاريها، وأن يبدأ من جديد.

فليس من المُجدي دائمًا أن نضع حلولًا وسط، بل الأفضل أن نكون حاسمين في قراراتنا ونعرف ماذا نُريد؟ حتى لا تضيع أعمارنا ونحن في مُفترق الطرق لا نستطيع الوصول، وهذا هو الخطأ الذي يقع فيه الكثيرون، فهم يظنون أنهم آثروا التسامح، في حين أن هذا كان الغلاف الخارجي، أما ما يحملونه بداخلهم هو عدم القدرة على النسيان، والعجز عن العودة إلى سابق العهد، فيحدث فُتور في العلاقات، وجُمود في الأحاسيس، وتبلد في المشاعر، ولامبالاة في السلوكيات. وعليه، تجري المياه وتتدفق في مجاريها، ولكنها تُصبح مُلوثة وغير صالحة للشرب.

فهل كان الهدف هو عودتها لمجراها الطبيعي، أما صالحيتها للشرب، وهذا ما يجب أن نُدركه قبل أن نُصدر قرار التسامح.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة