أقنعة باكثير فى "خطاب القيمة واستراتيجيات الإقناع" نقد نقد لدراسة تختبر مسرح الأفكار..توظف البلاغة الجديدة فى مظهر بنيوى وجوهر سيميولوجى.. وترصد استقدام الاستعارات الكبرى كأداة إفلات من فخ التبويق السياسى (1ـ2)

السبت، 11 يوليو 2026 02:01 م
أقنعة باكثير فى "خطاب القيمة واستراتيجيات الإقناع" نقد نقد لدراسة تختبر مسرح الأفكار..توظف البلاغة الجديدة فى مظهر بنيوى وجوهر سيميولوجى.. وترصد استقدام الاستعارات الكبرى كأداة إفلات من فخ التبويق السياسى (1ـ2) غلاف كتاب أقنعة باكثير والدكتور أحمد إبراهيم

أحمد طنطاوى

مؤلف مبدع ومتابع للإبداع

عشت  لأيام  مع كتاب "أقنعة باكثير.. خطاب القيمة واستراتيجيات الإقناع"، للدكتور أحمد إبراهيم الشريف من إصدار دائرة الثقافة فى الشارقة 2023، وهو فى الأصل رسالة علمية بعنوان بلاغة الخطاب فى مسرح علي أحمد باكثير فى جامعة عين شمس، ويختص بتحليل الخطاب اعتمادا على آليات البلاغة الجديدة، وقد كان لى شرف الاقتراب من هذه الرسالة من باب مؤانسة الباحث وتقديم الدعم المعنوى له للانتهاء منها وهى التى كانت تمثل عبئا عليه، كونه موزعا بين عمله وأسرته، فهو يحمل على كاهليه قسم الثقافة باليوم السابع مسئولا عن ماكينة عمله، فهو الترس الرئيس فيها، فضلا عن أنه ليس أكاديميا شغوفا بمتابعة الإبداع دون صنعه، بل هو روائى وكاتب، أنتج ثلاث روايات الأولى حازت جائزة نجيب ساويرس بعنوان: موسم الكبك، والثانية هي "طريق الحلفا"، والثالثة حديثة بعنوان "التجريدة"، ومن ثمّ كان لتزاحم هذه المسئوليات أثرة على أحمد إبراهيم، زد على هذا أنه من النوع الذى لا يرضى بما يسد الرمق، فلم يجز لنفسه بحثا بالحد الأدنى لإجازة أساتذته له، ما يعنى أن معاناته كانت حتمية.


إخراج وتوزيع النص

يأتى الكتاب فى 390 صفحة من القطع المتوسط، على ورق أبيض مائل للصفار قليلا ما يحقق معادلة أفضل لراحة العين، وبحمل يدور حول الأسطر العشرين، وعناوين محبرة وهامش ليس كبيرا إلا أنه كاف من ناحية نفى زحام النص على مساحة الورق، وبنظ خط العناوين "المحبرة" أكبر من بنط المتن مع تحبيرها، والمتن أكبر من الهامش الذى يأتى واضحا ومقروءًا، ويتصدر الكتاب إهداء لروح الدكتور منير سلطان وهو الأستاذ الأكاديمى للمؤلف، يليه شكر للدكتورة عزة أبو النجا رئيس قسم اللغة العربية بكلية بنات عين شمس لدورها فى إعادة الباحث إلى ردهة البحث الأكاديمى بعد أن كان قد مال إلى إهمال رسالته، وهو "جميل" يشير إليه المؤلف دوما فى كل مناسبة، ويتمتع الكتاب بتفريعة شجرية تؤمن "النظرة الكلية الواضحة" التى يتطلبها الإدراك كما يشترط الجشتاطيين.
يبدأ الكتاب بتمهيد عام فى حوالى 8 صفحات عن المسرح العربى ودوره قبل باكثير، ثم مسرحه هو، فينقل السجال بين فريقين من الباحثين أحدهما يرى أن المسرح فن ناشئ على الأدب العربى نتيجة المثاقفة مع الغرب والفريق الثانى يرفض هذا معتبرا أن المساجلات الشعرية والمقامات وفن الإلقاء الدرامى للمواويل والسير الشعبية كانت نوعا من أنواع المسرح، وإن لم تسمَ بهذا الاسم، ما يعنى أن العرب سبقوا إلى هذا الفن.

مسرح ناشئ وأديب متعدد الثقافات

ثم راح المؤلف يتتبع الرواد الأول لهذا الفن بدءا من يعقوب صنوع 1879 م، لتصبح التجارب أكثر نضجا مع بدايات القرن العشرين، خاصة مع فرح أنطوان 1913م وغيره، حتى لعب المسرح دورا فى التهيئة لثورة 1919، ثم انتقل نقلة خاصة مع أحمد شوقى مؤسس الشعر المسرحى ـ كما يرى بعض الباحثين، إلى أن يصل إلى جهود على أحمد باكثير فى دعم هذا الفن على مدى 35 عاما برؤية فنية متعددة الروافد، فقد مزج الرجل بين ثلاث ثقافات، فهو أندونيسى وحضرمى يمنى ومصرى، وزار عددا من دول الغرب والعالم العربى، ويتحدث المالاوية والإنجليزية والفرنسية إلى جانب العربية، وعندما جاء إلى مصر عام 1934  تمصر، حيث منحته مصر جنسيتها وزوجته الثانية بعد وفاة الأولى، كما منحته دراسته الأكاديمية بجامعة فؤاد الأول، والعديد من الجوائز والتكريمات، وعاش فى فترة مر فيها العالم الإسلامى بظروف عصبية ومفصلية (بين عامى 1910 و1969)، ومن ثمّ فنحن أمام أديب ذى طبيعة تركيبية ووجدانية خاصة، فكما يقول المثل: ما الأسد إلا مجموعة خراف مهضومة، فإن الخراف التى شكلت "باكثير" كانت مميزة ومتنوعة وقل أن تجتمع فى أحد بعده.

معضلة العرض فى "مسرح الأفكار"

تميز باكثير بغزارة الإنتاج المسرحى وخاض تجربة الرواية فحقق فيها تمايزا كبيرا (منها روايته وا إسلاماه)، إلا أن المسرح كان فنه المفضل، حيث مكنه من بث الكثير من أفكاره وتوجهاته، ومن ثمّ فمسرح باكثير هو "مسرح أفكار"، وهو مسرح يصعب عرض الكثير من إنتاجه على الجمهور، كونه مقروءًا بالأساس، إلا أن باكثير تمكن من النجاة بمسرحه من هذا المأخذ، فربطه بالأحداث السياسية وعبّر فيه عن نضال الشعب.

بين الشكل والمضمون

هذا التمهيد ـ بمعلوماته بالغة الأهمية أهلت القارئ للدخول فى العوالم الخاصة للمبدع بثقافته ورؤاه ـ يأتى بعد مقدمة تشى بأن أحمد إبراهيم الشريف معنى فى دراسته برصد الأزمات عبر الزمنية (الممتدة) للشعب المصرى، مثل أزمة الهوية، والدونية أو المقارنة مع الأوروبيين عبر رصد أعمال هذه الفترة ومنها المسرح، فهى ـ إذن ـ دراسة تتمحور حول القضايا والمضامين، ومسرح علي أحمد باكثير يقدم الكثير فى هذا الجانب، إلا أن الدراسة لا تقف عند هذا الجانب، وإنما تمتد لرصد الظواهر المؤسسة لأدوات الكاتب التعبيرية، وطرائقه فى الصياغة الجمالية والأساليب الإقناعية التى تأثر فيها بأحمد شوقى (القالب الشعرى)، ومن ثمّ فرصد القضايا والمضامين لم يكن منفكا عن رصد وسائل تقديمها للقارئ بالشكل القادر على إحداث الاستمالة والتأثير، وذلك عبر أطر ثلاث، هى: المسرح والخطاب والبلاغة.

ثراء الأهداف وعمق الرؤية النقدية

أيضا استهدف الناقد أحمد إبراهيم الشريف استجلاء مدى الدعم الثقافى والوجدانى الذى يمكن أن يقدمه فن المسرح للشعب، وهل ـ بالفعل ـ يمكن أن يشكل أملا فى حياة راقية وثقافة رفيعة، كما استهدف ـ كذلك ـ كشف طرق التفكير السائدة فى هذه الفترة المبكرة من عمر هذا الفن، وعناصر خطاب الفنان، ومدى القدرة على التعامل مع النصوص باعتبارها نصوصا جمالية ذات رسائل خاصة، البحث عن العلاقة بين المسرح والظروف المجتمعية، ثم يأتى السؤال الأهم للدراسة وهو: هل تصلح البلاغة الجديدة للتعامل مع الإبداع العربى؟


البلاغة الجديدة بمظهر بنيوى وجوهر سيميولوجى

ويؤكد الناقد أنه رغم اعتماد المسرح على تقنيات عرض لا تجعل للكلمة الأولوية الأولى إلا أن الكلمة تظل محتفظة بدور رئيس، فالنص هو ملك العرض المسرحى مهما تطورت تقنيات العرض، وهنا يتحرك أحمد إبراهيم الشريف لتعريف المصطلحات الرئيسة التى يستند إليها فى دراسته، مثل الخطاب الذى يشير إلى "كل قول يقصد إلى التأثير المنتج للإقناع"، والتفريق الذكى بين اللغة المستخدمة فى التواصل واللغة كنظام، فاللغة كنظام أوسع من اللغة المنطوقة، ثم التعرض للبلاغة الجديدة بدءا من القديمة التى عرفها السابقون بأنها: "القول الذى يفهمك مراده دون إعادة أو استعانة أو حبسة"، ثم يتناول الناقد ما يتمايز به كل نوع عن الآخر، فالأخيرة ـ التى ظهرت عام 1958 ـ تهتم بالجوانب الإمتاعية والإقناعية فى النص، بينما تهتم الأولى بالتحقيق الإجرائى لاشتراطات القوالب المتعارف عليها من معان وبيان وبديع، وثانيا يغلب على الأولى الطابع العلمى التعليمى مقابل الطابع الوصفى للثانية، أيضا تستفيد البلاغة الجديدة من حقول ومناهج النقد الأدبى باعتبار أن اللغة ممارسة اجتماعية، خاصة الجانب التشريعى والقضائى القائم على البرهان والمحاجة الاستدلالية، وقد أشار الناقد صلاح فضل إلى تيارين آخرين للبلاغة الجديدة، يتمثل الثانى ـ الناشئ فى سبعينيات القرن العشرين ـ بكونه مولودا فى حضن البنيوية النقدية، أما الثالث فيأتى "وظيفيا" معتمدا على السيميولوجيا والتداولية. 

         
ويبرر الناقد اختياره تحليل الخطاب فى مسرح باكثير بكون هذا اللون الفنى يقتضى وجود جمهور سواء أحضر على الحقيقة أم حضر افتراضا بشكل تقضى به آلية الكتابة، حيث إن من شروط الرسالة ـ أى رسالة ـ القدرة على التأثير والإقناع، ومن ثمّ فمسرح باكثير جدير بأن يكون مادة للدراسة بأدوات البلاغة الجديدة.


الثقافات المشكلة للكاتب أداة من أدوات التفكيك النقدى لإبداعه

وعندما ندلف إلى صلب الدراسة ذاتها، نجدها مكونة من فصول ثلاث، يأتى الأول فى عنوان: خطاب المسرح والأقنعة، ويتناول السياقات الخاصة فى الخطاب، وفيها يعتنى الكاتب بالثقافات المشكلة لرؤية باكثير الفنية، كونها تساعد فى كشف بواطن الأعمال المسرحية والإشارة إلى الأنساق المضمرة التى تمر عبر النصوص وتمر عبرها النصوص، كما يعتنى بتواريخ نشر المسرحيات، فالخطاب هو نتاج مجموعة متشابكة من التفاعلات والعلاقات والقوى الاجتماعية، ويدلل الكاتب على هذا بعدم ذكر باكثير لإحدى مسرحياته من ثلاثة فصول (نشرت عام 1954)، وكانت تحت عنوان "أغلى من الحب"، فلم يسعَ مؤلفها لإعادة نشرها، ويبرر الناقد أحمد إبراهيم هذا المسلك بإحساس باكثير بعدم النضح الفنى لهذا العمل؛ فشخصيتها الرئيسة مثالية، أو أنه غير رأيه فى فكرتها، وكما تناول هذا الفصل تمرد باكثير على التابوهات، وهذا مثير للتساؤل، فباكثير هو كاتب إسلامى، تتغلب القصدية على كتاباته التى تأتى مصبوغة بالصبغة الدينية فى طرح القضايا المصرية، لكن أحمد إبراهيم الشريف  ينفى تعارض بين التزام باكثير وفنه وما يقتضيه أحيانا من الخروج عن المسلمات، حيث لم تخضع نصوصه لضوابط صارمة، ففى مسرحية نفرتيتى وأخناتون نرى الثانى يقبل الأولى فى فمها، ثم تقبله أيضا فى مشهد مطول، ويبرر الناقد أحمد إبراهيم مثل هذا المشهد بإدراك باكثير لأثر التقارب الجسدى بين البطلين فى العمل على الجمهور، كما يتناول مشهدا تكون الخمر جزءا منه فى مسرحية "سر شهرزاد"، ووجود الأفكار الإلحادية فى أعمال، على لسان أوديب ص49، هذه الأمور ليست مقصودة لذاتها وإنما لضرورة فنية اقتضتها، ومن ثمّ فإبداع باكثير لم يكن مقموعا بثقافته الدينية.


تعدد الأقنعة على خشبة مسرح الأفكار

أما المبحث الثالث "بلاغة القناع" فيتناول فيه الناقد أنواع القناع فى مسرح باكثير، فمنه القناع التام الذى يقدم شخصية كاملة يختفى خلفها الكاتب؛ ليبث أفكاره ويعبر عن قناعاته، وقد ساق الناقد 24 مثالا على هذا اللون الفنى ـ أبزها فى رأيى ـ شخصية أخناتون، والشيخ سليمان الجوسقى، وصلاح الدين الأيوبى، وعمر المختار، وجحا، ومن أنواع القناع أيضا القناع الناقص، الذى يقدم من خلاله الكاتب شخصيات تختلف معه فى جانب من الرؤية، ومنها أوزوريس، وأوديب، وأخيرا القناع الآخر، وهو قناع لشخصيات مخالفة أو معادية، لكن الكاتب يمنحها صوته لتنطق بقناعاته فيعطيها قوة الحق الذى نطق به العدو، ومن هذه الشخوص إبراهام الصهيونى، ونابليون، وريتشارد قلب الأسد.

غلاف كتاب أقنعة باكثير والدكتور أحمد إبراهيم
غلاف كتاب أقنعة باكثير والدكتور أحمد إبراهيم

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة