تتواصل مناورات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب، ويقف لبنان طرفا يسدد ثمن مناورات وتهديدات مستمرة من قبل الاحتلال ونتنياهو من جهة ومزايدات إيران على لبنان من جهة أخرى، حيث جر حزب الله لبنان إلى الحرب وواصل الاحتلال قصف لبنان والتوغل بالجنوب، وتدخل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ليوقف حملات اجتياح جديدة، ومع هذا يسيطر جيش الاحتلال عسكريا داخل الأراضى اللبنانية فى الشريط الحدودى الجنوبى، ويفرض «منطقة أمنية» وحزاما عازلا لعمق 10 - 15 كيلومترا من الخط الأزرق، وتكررت تحذيرات جيش الاحتلال وأوامر إخلاء واسعة النطاق جنوب نهر الزهرانى لإخلاء الشريط المتاخم للحدود من السكان والمدنيين، ويسيطر الاحتلال على قرى حدودية تم تدمير أجزاء واسعة من بنيتها التحتية، منها مرتفعات الشقيف «قضاء النبطية» وقلعة الشقيف الأثرية، وقضاء بنت جبيل الذى شهد توغلا بريا فى بلدات مثل برعشيت، الغندورية، والسلطانية ووادى السلوقى.
وفى القطاع الشرقى تفرض قوات الاحتلال سيطرة نارية على بلدات فى قضاء مرجعيون ومحيط بلدة الخيام لتأمين الخاصرة الشرقية، وبلدات حدودية برية وأطراف بلدات مثل بيوت السياد، مع تدمير ممنهج للقرى الملاصقة للشريط الحدودى لإنشاء «شريط معقم» وفى مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.
وهذه السيطرة تكشف عن ضعف فى المواجهة من قبل حزب الله، وعلى الرغم من الحديث عن اتفاقات وقف إطلاق النار برعاية أمريكية ودولية، فقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلى التمسك بالمواقع فى «المنطقة الأمنية» وفى قلعة الشقيف والمناطق المشرفة حتى يتم التأكد من تطبيق البنود الأمنية ومنع تهديدات حزب الله.
ومن هنا يمكن تفهم تصريحات الرئيس اللبنانى جوزيف عون، التى أعلن فيها أن لبنان أصبح رهينة لإيران ويتم توظيفه فى المفاوضات، لأن الاحتلال يواصل قصف واحتلال مناطق فى لبنان فى ظل توقف الحرب، حيث يجر حزب الله لبنان إلى المواجهة لصالح إيران، ومع هذا فإن وزير الخارجية الإيرانى عباس عراقجى، والمتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائى، تجاوزا الأعراف الدبلوماسية، فى ردهما على دعوة الرئيس اللبنانى لطهران بالكف عن التدخل فى الشؤون اللبنانية. ويقول عباس عراقجى إنه على الرئيس اللبنانى «إنقاذ» لبنان من «عدوه الحقيقى» إسرائيل، وهو مزايدة تتجاهل أن العدوان جلبته إيران ووكيلها فى لبنان، حيث يعجز الحزب منذ 7 أكتوبر عن حماية قياداته ويتعرض لأكبر عمليات اختراق، ويعجز عن حماية لبنان، وقد تدخل الرئيس الأمريكى ترامب وهدد نتنياهو وأوقف حملات اجتياح، وبالتالى فإن المهم عدم منح الاحتلال ذرائع للاعتداء بالرغم من ضعف حزب الله.
رئيس الوزراء اللبنانى نواف سلام، من جانبه، حث إيران بالكف عن استخدام بلاده «ورقة لتحسين» شروط التفاوض مع الولايات المتحدة. وخاطب القادة الإيرانيين: «إن كان لى أن أتوجه إلى إيران بكلمة، فهى أن ترحم جنوبنا وأن تتوقف عن التعامل معه ومع أهله كمجرد ورقة لتحسين شروط مفاوضاتها، نحن أصحاب وطن يأبى أن يتحول إلى صندوق بريد لرسائل الآخرين، أو ميدانا مفتوحا لحروبهم».
والواقع أن منطق لبنان وتياراته السياسية بتنوعاتها يرفضون استخدام لبنان ورقة فى حرب وتفاوض، بينما وزير خارجية إيران عباس عراقجى يواصل مزايدات إيران ومناورات التلاعب ويزايد على رئيس لبنان «أنقذ لبنان من عدوك الحقيقى يا سيادة الرئيس»، ويتجاهل عراقجى أن العدوان الإسرائيلى فى مواجهة مع حزب الله الذى تحول من قوة مقاومة إلى عبء سياسى وعسكرى.
وإيران تصر على مضاعفة المخاوف والتوترات مع دول الخليج بعدوانها المتكرر، وجر لبنان إلى حرب ومواصلة المزايدات تجلب عدوانا على لبنان من دون مراعاة لظروفه السياسية والاقتصادية التى لا تتحمل هذه المناورات.
وقد تراجعت قوة الحزب بعد مقتل الأمين العام السابق لحزب الله اللبنانى، حسن نصر الله، فى سبتمبر 2024، وخلفائه واستهدافه بهجمات البيجر، وهناك شروط أمريكية يتضمنها أى اتفاق قادم منها إنهاء دور الوكلاء وهى مطالب إقليمية وليست فقط أمريكية وأوروبية وهو ما سوف يحدث فى كل الأحوال، لإنهاء وكلاء لم يعودوا مقاومة وإنما عبء على لبنان لا يعمل لصالح لبنان.
ويعكس الموقف، طوال عشرين عاما، عمق الانقسام اللبنانى بشأن دور إيران و«حزب الله» فى المعادلة الداخلية، وترى قوى سياسية لبنانية أن استمرار ارتباط القرار العسكرى للحزب بطهران يعرّض لبنان لمخاطر إضافية، وهذا الجدل فى وقت تتواصل فيه الجهود الدولية لتثبيت التهدئة على الجبهة اللبنانية، وسط مخاوف من أن يؤدى تعثر المساعى السياسية إلى توسيع دائرة المواجهة الإقليمية، وتحاول طهران إظهار الأمر أنه ضمن التفاوض بينما تناور مثلما يفعل الاحتلال ونتنياهو.