صارت الجمعيات الحقوقية، بكل مسمياتها، وألوان طيفها، سيفا مسلطا على رقاب العباد المختلفين مع توجهاتها، وأهدافها؛ وتأتى جمعيات الرفق بالحيوان لتنصب نفسها حامى حمى كل الدواب، وهو أمر يمكن تفهمه والإشادة به إذا كان فى سياقه الطبيعى، من خلال الاهتمام بالحيوانات وتقديم كل وسائل الرعاية، بشرط ألا تتعارض مع حقوق البشر.
فى السنوات الأخيرة تحول ملف الكلاب الضالة فى مصر من قضية خدمات عامة وصحة مجتمعية، إلى ساحة صراع مشحونة بالعواطف والابتزاز الأخلاقى، حتى بات المواطن المصرى يشعر أحيانا أنه متهم من جمعيات الرفق بالحيوان، لمجرد خوفه على صحته وصحة أطفاله، أو اعتراضه على وجود الكلاب الضالة فى الشوارع.
الحكومة والمواطنون، فى جبهة موحدة لمواجهة ظاهرة انتشار الكلاب الضالة فى الشوارع، والترتيب لتخصيص أماكن لنقلها إليها، والاعتناء بها صحيا، بينما الناشطون فى جمعيات الرفق بالحيوان، نصبوا أنفسهم المالكين الحصريين للتحدث واتخاذ القرارات فيما يتعلق بكل الحيوانات، وفى القلب منها، الكلاب الضالة، فتبنوا خطابا متعاليا، يجرم أى اعتراض، ويصور الكلاب الضالة باعتبارها «ضحايا»، أما البشر فمجرد كائنات عليها أن تقبل وتتعايش مع الخطر!
وهنا لا يفوتنا أن نؤكد على أهمية الدفاع عن الحيوان، باعتباره سلوكا متحضرا وإنسانيا، لكن الإشكالية الحقيقية تتمثل فى أن هذا السلوك الإنسانى يتحول إلى فوضى غير مقننة، ومحاولة لفرض واقع على ملايين المواطنين بالقوة المعنوية والتهديد والوعيد والإدانة والملاحقة بسيف القيم الإنسانية، وكأن حق الإنسان فى الأمان أقل قيمة من حق الكلاب فى التجول والانتشار فى الشوارع بحرية مطلقة ودون ضابط أو رابط!
وبعيدا عن الإحصائيات التى تتحدث عن أعداد الكلاب الضالة فى الشوارع، فإن الظاهرة واضحة للعيان، ولا يحتاج الأمر إحصائيات بأرقام دقيقة، فالواقع العملى فى الشوارع واضح لكل ذى عينين، مما يستدعى معه الأمر إلى إعلان حالة الطوارئ الصحية والمجتمعية، والتكلفة الباهظة لتوفير الأمصال المختلفة ضد العقر، وفيروس السعار الخطير.
الحكومة وعلى لسان الدكتور مصطفى مدبولى، مهتمة بهذه القضية اللافتة، واتخذت قرارات بتنظيم حملات مكثفة لمواجهة ظاهرة انتشار الكلاب الضالة فى الشوارع، وذلك بالتعاون مع المحافظات ووزارتى البيئة والزراعة ومنظمات المجتمع المدنى ضمن الاستراتيجية الوطنية «مصر خالية من السعار 2030»، وذلك وفق ثلاثة عناصر رئيسية:
الأول: التعقيم والتحصين، من خلال تنظيم حملات قومية تحت إشراف الهيئة العامة للخدمات البيطرية لتعقيم وتطعيم الكلاب الحرة للسيطرة على تكاثرها ومنع انتشار الأمراض.
الثانى: توفير مراكز الإيواء «الشلاتر» للحيوانات الضالة للحد من تواجدها المباشر فى المناطق السكنية وتوفير الرعاية البيطرية اللازمة.
الثالث: التعامل مع شكاوى المواطنين، والتدخل السريع والمبكر، وذلك عبر منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة، وتوفير فرق عمل مجهزة للتعامل مع بؤر التجمعات.
الحكومة هنا دورها واضح، ولديها خطط المواجهة، وتعمل على ذلك حفاظا على أرواح وصحة المواطنين، إذا ما وضعنا فى الاعتبار أن بيانات منظمة الصحة العالمية، تشير إلى أن داء السعار ما زال من أخطر الأمراض الفيروسية القاتلة، وأنه يؤدى إلى وفاة الآلاف سنويا على مستوى العالم، وأن الكلاب تظل المصدر الرئيسى لنقل المرض للبشر، ورغم كل هذه المخاطر، يتعامل النشطاء فى جمعيات الرفق بالحيوانات، مع أى حديث عن الخطر الذى تشكله الكلاب الضالة، باعتباره فاقد الرحمة وألد أعداء الحيوان.
الخطير ليس فقط فى انتشار الكلاب الضالة فى الشوارع، وإنما فى المناخ الذى صنعته الأصوات المتشددة المدافعة عن الحيوانات، ما يطرح الأسئلة الثقيلة ثقل الجبال، من عينة، بأى حق أن أى مواطن يشتكى من الكلاب الضالة ومخاطر انتشارها توجه له اتهامات بالوحشية؟ وكيف توصم كل أسرة تخشى على أطفالها من عقر الكلاب، بعدم الرحمة والإنسانية؟ وكيف توجه أسهم الملاحقة والتشهير والهجوم الإلكترونى لكل من يطالب بإيجاد حلول لظاهرة انتشار الكلاب الضالة؟
ما يفعله نشطاء حقوق الحيوان، من ترهيب لكل من يهاجم ظاهرة الكلاب الضالة، أمر لا يمكن قبوله، وكأن المطلوب من المواطنين أن يتعايشوا مع الخوف، الخوف من الكلاب، والخوف من التهديد والوعيد للمتشددين المدافعين عن الكلاب، وأن يعتبروا «العقر» جزءا من روتين حياتهم اليومية!
الحقيقة الناصعة، ودون مواربة، أن جمعيات الرفق بالحيوان، تحولت من العمل الإنسانى إلى ممارسة نوع من الوصاية الأخلاقية والاستعلاء الاجتماعى، وأن كثيرا منهم يرفض حتى نقل الكلاب الضالة من المناطق السكنية المكتظة، وكأن الشوارع صارت ملكية خاصة للكلاب وليس للبشر!
كل المتشددين والمتشدقين بالدفاع عن حقوق الحيوانات بشكل عام، والكلاب الضالة على وجه الخصوص، فى مصر، يديرون الملف بالصراخ العاطفى، لا يعنيهم فوضى الشارع، عكس ما يحدث فى كل دول العالم، التى تتعامل مع هذه القضية باعتبارها ملفا للصحة العامة والأمن المجتمعى، وليس مجرد حملة رومانسية غير مفهومة للدفاع عن الحيوانات من أجل الدفاع وفقط!
وفى الأخير، يجب أن يُعامل الحيوان برحمة، لكن مع الاعتراف بأن صحة وأمان الإنسان أولا، ولا يجوز مطلقا أن تتحول الرحمة إلى تهديد لحياة البشر.
لا يمكن ترك المواطنين بين أنياب الخوف، ثم مطالبتهم بالصمت باسم «الرفق بالحيوان» فهذه ليست إنسانية.