في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي ساحات مفتوحة للحكم على الناس، وانتشرت فيه ثقافة التشهير وتتبع الأخطاء والفرح بتعثر الآخرين، بات من الضروري التوقف أمام ظاهرة خطيرة تهدد القيم الإنسانية والأخلاقية، وهي ظاهرة الشماتة في الناس عند وقوعهم في الأزمات أو انكشاف بعض ما كانوا يخفونه من مشكلات.
كثيرون يظنون أن ما يملكونه من استقرار أو سمعة طيبة أو مكانة اجتماعية هو أمر دائم لا يتغير، فينظرون إلى من تعثر أو تعرض لمحنة بنظرة استعلاء، ويتسابقون في إطلاق الأحكام والسخرية والتشكيك والتشهير، غير مدركين أن الفارق بينهم وبين من يشمتون به قد يكون مجرد ستر من الله لم يُرفع عنهم بعد.
فالإنسان لا يعيش بقوته ولا بذكائه ولا بمنصبه أو ماله، بل يعيش أولًا وأخيرًا بفضل الله وستره. وكم من أشخاص يبدون أمام الناس في أبهى صورة بينما تخفي عنهم الأقدار أخطاءً وعيوبًا ومشكلات لا يعلمها إلا الله. ولو كُشف المستور عن الجميع، لما وجد أحدٌ وقتًا للشماتة بغيره.
إن الشماتة ليست دليل قوة، بل دليل قسوة قلب وضعف بصيرة. فالإنسان العاقل حين يرى غيره في أزمة أو محنة يتعظ ويشكر الله على نعمة الستر، ويدعو لصاحب البلاء بالفرج والهداية، لأنه يدرك أن الأيام دول، وأن الظروف تتبدل، وأن من يضحك اليوم قد يبكي غدًا، ومن يشمت الآن قد يجد نفسه يومًا في الموضع ذاته الذي كان يسخر منه.
ولعل أخطر ما في الشماتة أنها تجعل الإنسان ينسى حقيقة أساسية، وهي أنه ليس معصومًا من الخطأ، وأن الحياة مليئة بالتقلبات والاختبارات. فما أكثر من كانوا في القمة ثم هبطوا، وما أكثر من تعرضوا لأزمات لم يكونوا يتخيلون أنهم سيواجهونها يومًا ما.
إن المجتمع الذي يتراحم أفراده عند الشدائد هو مجتمع قوي ومتماسك، أما المجتمع الذي يتلذذ بعض أفراده بفضائح الآخرين ويتاجرون بمشكلاتهم فهو مجتمع يفقد شيئًا فشيئًا قيمه النبيلة وإنسانيته.
لذلك، وقبل أن نتحدث عن أخطاء الناس أو نفرح بمشكلاتهم، علينا أن نتذكر أننا جميعًا أصحاب أخطاء، وأن ما نراه من عيوب الآخرين قد لا يساوي شيئًا أمام ما ستره الله عنا. فبدلًا من الشماتة، فلنرفع أكف الدعاء بأن يديم الله علينا وعليهم نعمة الستر، وأن ينجينا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
فالستر نعمة عظيمة، ومن عرف قيمتها لم يشمت بأحد، بل خاف على نفسه، ورجا لغيره الرحمة والفرج والهداية.